كل يوم تُبرم في المملكة آلاف الصفقات: متجر يشتري بضاعة ليبيعها، ومصنع يتفق على توريد مواده شهريًا، ووسيط يجمع بائعًا ومشتريًا مقابل عمولة، وشيك يُحرَّر لسداد دين. وخلف كل هذه المعاملات قواعد تحدد الحقوق والالتزامات. وهذه القواعد هي ما يجمعه اليوم نظام واحد: نظام المعاملات التجارية.
ما نظام المعاملات التجارية؟
أقر مجلس الوزراء، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نظام المعاملات التجارية في أكتوبر 2026. ويتكون النظام من 271 مادة، ويهدف إلى تطوير البيئة التجارية وتعزيز استقرار المعاملات، عبر توحيد أحكام الأعمال التجارية والعقود التجارية والأوراق التجارية في إطار واحد.
ويحل النظام محل ثلاثة أنظمة قائمة، هي: النظام التجاري، ونظام الأوراق التجارية، ونظام الدفاتر التجارية. ويبدأ العمل به بعد 180 يومًا من نشره في الجريدة الرسمية. وبحسب وزير التجارة ماجد القصبي، يتكامل النظام تشريعيًا مع نظام المعاملات المدنية.
من هو التاجر؟ وما العمل التجاري؟
يضع النظام قواعد تحدد مفهوم الأعمال التجارية والتاجر والمتجر، ويبيّن الأعمال التي تكتسب الصفة التجارية بمجرد القيام بها ولو لمرة واحدة، والأعمال التي لا تُعد تجارية إلا إذا مارسها صاحبها على وجه الاحتراف.
ولهذا التفريق أهمية عملية كبيرة، لأن اكتساب صفة «التاجر» يرتب على صاحبها التزامات محددة، من بينها الالتزامات المتعلقة بالدفاتر التجارية التي ينظمها النظام.
التجارة من سن 15: بأي شروط؟
من أبرز ما لفت الانتباه في النظام أنه يسمح للقاصر الذي بلغ 15 عامًا بممارسة التجارة، بشرط الحصول على إذن من وليه أو وصيه أو من المحكمة. وقال وزير التجارة إن النظام «يسمح لأبنائنا وبناتنا عند بلوغهم الـ15 عامًا بممارسة التجارة بضوابط محددة».
ويرى المستشار القانوني وأستاذ القانون التجاري أسامة بن غانم العبيدي أن هذا الحكم قد يساعد الشباب السعودي على اكتساب الخبرة العملية في سن مبكرة، بما يوسع قاعدة المشاركين في ريادة الأعمال.
الدفاتر التجارية: ورقية أم إلكترونية؟
يتيح النظام مسك الدفاتر المحاسبية إلكترونيًا أو ورقيًا، باللغة العربية مع السماح باستخدام لغات أخرى، كما يعفي فئات معينة من التجار من مسك هذه الدفاتر. ويشير العبيدي إلى أن النظام ينظم المستندات الإلكترونية، ويمنحها الحجية نفسها التي تتمتع بها المستندات الورقية الأصلية في الإثبات.
العقود التجارية في نظام واحد
ينظم النظام، لأول مرة في وثيقة تشريعية واحدة، أربعة أنواع من العقود التجارية:
البيع التجاري: بيع البضائع ضمن النشاط التجاري.
البيع بالتوريد: التزام طرف بتوريد بضائع بشكل دوري خلال مدة محددة، كمصنع يورد مواد خام شهريًا لمصنع آخر.
الوكالة التجارية: أن يتولى طرف تسويق منتجات طرف آخر أو بيعها لحسابه، كوكلاء العلامات التجارية.
السمسرة: أن يجمع الوسيط بين طرفين لإتمام صفقة مقابل عمولة، دون أن يكون طرفًا فيها.
الأوراق التجارية: الكمبيالة والسند لأمر والشيك
يشمل النظام أحكام الأوراق التجارية الثلاث:
الكمبيالة: ورقة تجارية تتضمن أمرًا من الساحب إلى المسحوب عليه بدفع مبلغ معين للمستفيد أو لأمره، وفقاً لموعد الاستحقاق المحدد نظاماً.
السند لأمر: ورقة تجارية تتضمن تعهداً من محررها بدفع مبلغ معين للمستفيد أو لأمره، وفقاً لموعد الاستحقاق المحدد نظاماً.
الشيك: أمر من صاحب الحساب إلى البنك بدفع مبلغ محدد للمستفيد عند تقديمه.
المنافسة المشروعة
يعزز النظام المنافسة المشروعة بين التجار، ويحظر الإضرار بالمنافسين، ويمنح المتضرر حق اللجوء إلى القضاء لوقف الضرر والمطالبة بالتعويض.
لماذا يهم هذا النظام؟
لأن وضوح القواعد يجعل نتائج المعاملات أكثر قابلية للتوقع، ويقلل النزاعات التجارية. ووصفت وزارة التجارة النظام بأنه «إطار شامل يختص بتنظيم أحكام الأعمال التجارية»، يواكب أفضل الممارسات الدولية، ويهدف إلى حماية التجار والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ودعم توسعها عبر العقود التجارية والوكالات.
ويرى العبيدي أن النظام سيعزز بيئة الاستثمار وتنافسية الاقتصاد السعودي. فيما ترى المختصة في الاقتصاد والاستثمار تهاني بنت عبدالله الخيال أن وضوح القواعد يساعد المنشآت على تجنب النزاعات وتوقع النتائج القانونية، مؤكدة أهميته للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأن أثره يكبر حين يتكامل مع الخدمات الرقمية ومبادرات التوعية القانونية.
وللدفاتر التجارية قصة أقدم مما نتصور. ففي عام 1494، نشر عالم الرياضيات الإيطالي لوكا باتشولي في البندقية أول شرح مطبوع لنظام «القيد المزدوج» في المحاسبة، الذي يُسجَّل فيه كل مبلغ مرتين، مرة في جانب المدين وأخرى في جانب الدائن، فتتوازن الحسابات وتنكشف الأخطاء. وبعد أكثر من خمسة قرون، صار الدفتر ملفًا إلكترونيًا يمكن حمله في الهاتف، لكن وظيفته لم تتغير: أن يصنع الثقة بين التاجر وشركائه وعملائه. وهذا ما تحميه الأنظمة التجارية في جوهرها، فالقواعد الواضحة ليست قيدًا على التجارة، بل هي ما يجعل الثقة ممكنة بين أطراف لا يعرف بعضهم بعضًا.
تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر إخبارية منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!