حين نسمع أن دولة ما تملك من أكبر احتياطيات الغاز في العالم، نتخيل غالبًا أن هذا الغاز ينتظر فقط من يفتح له البئر ليتدفق. لكنني كلما تعمقت في هذا القطاع، أدركت أن جزءًا كبيرًا من الغاز في باطن الأرض لا يخرج وحده، بل يحتاج إلى من يستدرجه من بين الصخور.
ولهذا استوقفني إعلان «أدنوك» عن مشروعها الجديد في الرويس؛ لأنه لا يتحدث عن غاز سهل، بل عن النوع الأصعب منه.
ماذا أعلنت «أدنوك»؟
اتخذت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» قرار الاستثمار النهائي في مشروع «حوض الذياب» بمنطقة الرويس، وهو أول مشروع واسع النطاق لها في مجال الغاز غير التقليدي. ومن المقرر أن يبدأ الإنتاج في 2029 بطاقة تبلغ 345 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز الخام يوميًا، ولمدة 25 عامًا، مع إمكانية رفع الطاقة مستقبلًا إلى مليار قدم مكعبة يوميًا.
وسيُعالَج الغاز في موقع المشروع، ثم يُنقل عبر خطوط أنابيب جديدة إلى شبكة الغاز الإماراتية، لدعم احتياجات القطاعات الصناعية المحلية، وتعزيز إمدادات الشركة، ودعم خططها للتوسع في تصدير الغاز الطبيعي المسال.
وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة «أدنوك» سلطان الجابر، خلال الإعلان في مؤتمر «أديبك 2026»، إن المشروع خطوة مهمة لتحقيق أقصى قيمة ممكنة من موارد أبوظبي الضخمة من الغاز، وتلبية الطلب المتزايد على إمدادات موثوقة منه داخل الدولة وخارجها.
ما الغاز غير التقليدي؟
في الحقول التقليدية، يتجمع الغاز في صخور مسامية تسمح له بالحركة، فيتدفق إلى البئر بسهولة نسبية بمجرد الوصول إليه. أما الغاز غير التقليدي، فيكون محبوسًا في صخور شديدة الكثافة وضعيفة النفاذية، كالصخر الزيتي والصخور المحكمة، فلا يتحرك وحده.
ولاستخراجه، تُستخدم تقنيات أكثر تعقيدًا، أبرزها الحفر الأفقي الذي يمتد داخل الطبقة الصخرية لمسافات طويلة، والتكسير الهيدروليكي الذي يفتح شقوقًا دقيقة في الصخر ليتمكن الغاز من التدفق. ولهذا يكون إنتاجه عادةً أعلى تكلفة وأكثر تعقيدًا من الغاز التقليدي.
ولمن تربكه الأرقام: «القدم المكعبة القياسية» وحدة لقياس حجم الغاز عند ظروف معيارية من الحرارة والضغط، والمليار قدم مكعبة يوميًا يعادل ألف مليون، أي نحو ثلاثة أضعاف الطاقة الأولية للمشروع.
لماذا تتجه إليه دولة تملك احتياطيات هائلة؟
قد يبدو غريبًا أن تبحث دولة عن الغاز الصعب وهي تملك نحو 298 تريليون قدم مكعبة من الغاز التقليدي. لكن الإجابة، كما أراها، في الطلب الذي لا يتوقف عن النمو: محطات الكهرباء، والصناعات المحلية، وخطط تصدير الغاز المسال، كلها تحتاج إلى إمدادات إضافية. كما تُقدَّر موارد الإمارات من الغاز غير التقليدي بنحو 160 تريليون قدم مكعبة، وهي ثروة لا تتحول إلى قيمة إلا إذا استُخرجت.
ولا يأتي «حوض الذياب» منفردًا. ففي يوليو الماضي، خصصت «أدنوك» 6.2 مليار دولار لتطوير الغطاء الغازي لحقل «أم الشيف»، لإنتاج ما يصل إلى 600 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا من الغاز وسوائله بدءًا من 2030، بالشراكة مع «توتال إنرجيز» و«إيني» و«مؤسسة البترول الوطنية الصينية». كما أبرمت اتفاقية لتطوير الغطاء الغازي لحقل «باب»، يُتوقع أن ترفع الإنتاج بما يصل إلى 1.5 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا.
والغطاء الغازي هو طبقة الغاز التي تتجمع فوق النفط داخل المكمن، وكانت تُعد في الماضي عنصرًا مساعدًا لإنتاج النفط، قبل أن تتحول إلى مصدر إمداد قائم بذاته.
الغاز المسال وظل هرمز
تأتي هذه المشاريع ضمن استراتيجية تستهدف رفع الطاقة التصديرية لأبوظبي من الغاز المسال إلى أكثر من الضعف، وتوحيد أنشطة تسويقه وتداوله، مع هدف الوصول بالكميات التي تتولاها المنصة الموحدة إلى 47 مليون طن سنويًا بحلول 2035.
ويحدث ذلك في ظل اضطرابات أسواق الطاقة الناجمة عن حرب إيران، وما رافقها من تأثر الملاحة في مضيق هرمز. ولهذا أبلغت «أدنوك» بعض شركات التكرير الآسيوية بأن جزءًا من إمداداتها النفطية البحرية يُرجح نقله عبر خط أنابيب جديد مطلع العام المقبل، لتجنب المضيق.
وأنا أقرأ هذه التطورات، تذكرت أن الولايات المتحدة كانت قبل نحو عقدين تبني محطات لاستيراد الغاز المسال، ظنًا منها أن إنتاجها المحلي في طريقه إلى التراجع. ثم جاءت ثورة الغاز الصخري، فقلبت الصورة، حتى أصبحت من أكبر مصدّري الغاز المسال في العالم. لم تتغير الصخور، بل تغيرت القدرة على استخراج ما فيها.
ولهذا ربما لا يكون أفضل مقياس لثروة دولة من الغاز هو حجم ما تملكه من احتياطيات.
الأقرب إلى الواقع، كما أراه، أن الثروة الحقيقية هي القدرة على تحويل هذه الاحتياطيات إلى إمدادات فعلية، بتكلفة معقولة، وفي الوقت المناسب، ثم إيصالها إلى الأسواق بأمان. وهي معادلة نعرفها في المملكة أيضًا، مع حقل الجافورة، أكبر مشاريع أرامكو في الغاز غير التقليدي.
ومن هنا أرى مشروع «حوض الذياب» جديرًا بالقراءة اقتصاديًا، لا بوصفه مشروعًا إماراتيًا جديدًا فحسب، ولا باعتباره دليلًا على أن الغاز غير التقليدي سيحل كل تحديات الإمداد، وإنما باعتباره نافذة يمكن من خلالها رؤية التحول الأكبر في صناعة الغاز بالمنطقة:
من الاكتفاء بالغاز السهل، إلى إتقان استخراج الغاز الصعب.
تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر إخبارية منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!