لسنوات طويلة بدا أن الطريق الأقصر إلى الأمن الغذائي هو إنتاج أكبر قدر ممكن من الطعام داخل الحدود. لكن تجربة القمح، وشح المياه، ثم صدمة أسعار الغذاء العالمية في 2008 دفعت السعودية إلى تبني معادلة أكثر تعقيداً: لا تنتج كل شيء، بل أمّن كل شيء.

في بلد صحراوي، تبدو عبارة «الاكتفاء الذاتي» مطمئنة على نحو يصعب مقاومته. أن تنتج الدولة كل ما تأكله يعني، ظاهرياً، أنها أقل تعرضاً لأزمات الخارج وتقلبات الأسعار وانقطاع الإمدادات.

لكن الغذاء لا ينتج من الأرض وحدها. يحتاج إلى الماء والطاقة ورأس المال والعمل، وبعض هذه الموارد أكثر ندرة من الغذاء نفسه.

وهذه هي المفارقة التي قادت السعودية تدريجياً إلى إعادة تعريف معنى الأمن الغذائي.

فالمملكة، التي تحولت في الثمانينيات إلى مصدر للقمح بفضل الدعم الحكومي، أصبحت لاحقاً أكثر انتقائية في ما تزرعه محلياً. وهي اليوم تحقق اكتفاءً يتجاوز حاجتها في بعض المنتجات، مثل الألبان والتمور، وتتوسع بقوة في الدواجن، لكنها في الوقت ذاته تستورد الحبوب والأعلاف والزيوت والسكر الخام، وتستثمر في أصول وشركات غذائية خارج حدودها.

قد يبدو ذلك تناقضاً. لكنه في الحقيقة جوهر النموذج الجديد.

الأمن الغذائي لا يعني بالضرورة أن تنتج الدولة كل ما تأكله. بل أن تضمن قدرتها على الحصول على الغذاء، من مصادر متعددة، وبكلفة يمكن تحملها، وفي الأوقات العادية والأزمات معاً.

درس القمح

في السبعينيات والثمانينيات، اختارت السعودية طريقاً مباشراً: زيادة الإنتاج الزراعي المحلي.

دعمت الدولة زراعة القمح بسخاء، حتى تحولت المملكة إلى مصدر له في الثمانينيات. وكان ذلك إنجازاً لافتاً لبلد محدود الأمطار وشديد الجفاف.

لكن المشكلة لم تكن في كمية القمح المنتجة، بل في المورد الذي استهلكه إنتاجها.

الزراعة الكثيفة في بيئة جافة تعتمد إلى حد كبير على المياه الجوفية. وهذه المياه ليست مورداً يتجدد بالسرعة التي يستهلك بها.

وهنا ظهرت مشكلة اقتصادية كلاسيكية: يمكن لسياسة ما أن تنجح وفق مؤشر واحد وتفشل وفق مؤشر آخر.

إذا كان المقياس هو «كم طن من القمح ننتج؟» فالنتيجة كانت ناجحة. أما إذا كان السؤال «كم ماءً نستهلك لإنتاج كل طن، وهل الاستخدام مستدام؟» فالصورة مختلفة.

وهكذا بدأ التراجع عن فكرة أن الاكتفاء الكامل هدف يجب تحقيقه مهما كانت التكلفة.

هذه النقلة الفكرية ربما تكون أهم من أي رقم في قصة الغذاء السعودية.

الاكتفاء والأمن ليسا الشيء نفسه

الفرق بين المصطلحين بسيط، لكنه جوهري.

الاكتفاء الذاتي يقيس مقدار ما تنتجه الدولة محلياً مقارنة بما تستهلكه. فإذا كان الاستهلاك مليون طن والإنتاج مليون طن، فإن نسبة الاكتفاء 100%.

أما الأمن الغذائي فهو مفهوم أوسع. يهتم بقدرة السكان على الحصول المستمر على غذاء كافٍ وآمن، سواء جاء هذا الغذاء من مزرعة محلية أو مصنع وطني أو مورد خارجي أو استثمار في بلد آخر.

يمكن، نظرياً، لدولة أن تحقق اكتفاءً مرتفعاً لكنها تستهلك مواردها الطبيعية بطريقة غير مستدامة. ويمكن لدولة أخرى أن تستورد نسبة كبيرة من غذائها لكنها تملك مورّدين متعددين، ومخزوناً استراتيجياً، وقوة مالية، واستثمارات خارجية، فتكون أكثر أمناً.

السعودية تحركت تدريجياً من النموذج الأول إلى الثاني.

والتقرير يصف هذا المنطق بـ «الأمن الغذائي الذكي»: إنتاج محلي مكثف للسلع التي تملك فيها المملكة ميزة أو حساسية استراتيجية، واستيراد السلع كثيفة استهلاك المياه، مع الاستثمار خارجياً لتأمين بعضها من المنبع.

ليس كل استيراد ضعفاً

في الخطاب الاقتصادي العام، يُعامل ارتفاع الواردات أحياناً بوصفه دليلاً تلقائياً على الضعف. في الغذاء، هذه قراءة ناقصة.

فإذا كان إنتاج طن من محصول معين داخل المملكة يستهلك مورداً مائياً نادراً جداً، بينما يمكن استيراده بثمن أقل والحفاظ على الماء لنشاط آخر أعلى قيمة، فقد يكون الاستيراد هو القرار الأكثر عقلانية.

وهذا ما يفسر تركيبة السلة الغذائية السعودية اليوم.

الإنتاج المحلي يتركز في سلع مثل الألبان والدواجن والبيض والتمور والخضروات المحمية. وفي المقابل، تستورد المملكة مدخلات مثل الأعلاف والحبوب والزيوت الخام والسكر الخام.

هذه ليست قسمة بين «نجاح محلي» و«فشل استيرادي»، بل بين ما يستحق أن ينتج محلياً وما لا يستحق استنزاف الموارد لإنتاجه.

في الاقتصاد يسمى ذلك أحياناً الميزة النسبية: أن تركز الدولة مواردها في الأنشطة التي تستطيع أداءها بكفاءة أعلى، بدلاً من محاولة إنتاج كل شيء لمجرد القدرة التقنية على إنتاجه.

لكن الاعتماد على العالم له ثمن

إذا كان الاكتفاء الكامل مكلفاً، فإن الاستيراد يحمل مخاطره أيضاً.

برز ذلك بوضوح خلال أزمة الغذاء العالمية في 2008، حين ارتفعت الأسعار وفرضت بعض الدول قيوداً على الصادرات. بالنسبة إلى الدول المستوردة، كانت الأزمة تذكيراً بأن امتلاك المال لا يعني بالضرورة أن السلعة ستكون متاحة حين تحتاج إليها.

كانت تلك نقطة تحول مهمة في التفكير السعودي.

وفي 2009 تأسست الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني «سالك»، لتصبح ذراعاً استثمارية تعمل على تأمين سلاسل الإمداد من الخارج.

الفكرة هنا ليست شراء الغذاء فقط، بل الاقتراب من مصدره.

وبدلاً من أن تكون المملكة مشترياً يقف في نهاية السوق العالمية، تستطيع عبر الاستثمارات والشراكات أن تملك حصصاً في شركات أو أصول أو شبكات إنتاج مرتبطة باحتياجاتها.

يظهر ذلك في استثمارات «سالك» المحلية والخارجية، وكذلك في حضورها في شركات غذاء وزراعة دولية. فالهدف الأوسع هو تقليل هشاشة الاعتماد على السوق الفورية وحدها.

عندما أصبحت الجغرافيا جزءاً من المحفظة

هذا يغير أيضاً معنى «المحلي».

في النموذج التقليدي، يكون الأمن الغذائي محلياً إذا كانت المزرعة داخل الحدود.

أما في النموذج الجديد، فقد تكون المزرعة في أستراليا أو أوكرانيا أو البرازيل، لكن جزءاً من ملكيتها أو إنتاجها أو سلسلة توريدها مرتبط بمستثمر سعودي.

بهذا المعنى أصبحت الجغرافيا نفسها جزءاً من إدارة المخاطر.

بدلاً من الاعتماد على بلد واحد أو مورد واحد أو ممر بحري واحد، يصبح الهدف بناء شبكة.

وهذا مهم لأن مخاطر الغذاء لم تعد زراعية فقط. هناك الحروب، والتوترات السياسية، واضطرابات الشحن، والمناخ، وأسعار الطاقة، والعملات، وقيود التصدير.

التقرير يلفت، على سبيل المثال، إلى تركّز بعض الواردات: البرازيل في الدواجن واللحوم، والهند في الأرز، وأوكرانيا وروسيا في القمح والزيوت، وأستراليا في اللحوم.

كلما تركزت السلعة في مصدر واحد، ارتفعت المخاطر.

ومن هنا يصبح التنويع جزءاً من الأمن الغذائي بقدر ما هو الإنتاج.

129% من الألبان.. لكن ليس 129% من كل شيء

تساعد الأرقام الحالية على فهم الفلسفة.

تبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي من منتجات الألبان نحو 129%، أي أن المملكة تنتج أكثر من استهلاكها المحلي. وفي التمور تصل النسبة إلى نحو 119%. وفي الروبيان يذكر التقرير نسبة تبلغ 147%.

أما الدواجن فارتفعت من نحو 45% في 2016 إلى نحو 70% في 2024، مع خطط لمزيد من التوطين.

وفي المقابل، يبلغ الاكتفاء في اللحوم الحمراء نحو 61%، وفي المأكولات البحرية نحو 48%.

هذه التفاوتات ليست بالضرورة عيباً في السياسة. بل تعكس أن كل سلعة لها اقتصاد مختلف.

السؤال ليس لماذا لا تصل كل الأرقام إلى 100%.

السؤال الأفضل هو: في أي السلع يكون الوصول إلى 100% مفيداً اقتصادياً واستراتيجياً، وفي أيها يصبح مكلفاً أكثر من اللازم؟

عودة محسوبة للقمح

حتى القمح نفسه يوضح كيف تغيرت السياسة من قرار ثنائي — ننتج أو لا ننتج — إلى إدارة أكثر دقة.

يشير التقرير إلى ارتفاع الإنتاج المحلي من نحو 202 ألف طن في 2019 إلى 1.2 مليون طن في 2023، بما يغطي قرابة ثلث الاحتياج الوطني.

لكن عودة الإنتاج لم تأتِ بالمنطق القديم نفسه، بل ضمن ضوابط مائية.

أي أن المملكة لم تتخل عن الإنتاج المحلي، لكنها لم تعد تفصله عن تكلفة الموارد.

وهذا ربما يكون جوهر «الذكاء» في النموذج: ليست المسألة دعوة إلى الاستيراد، ولا دعوة إلى الاكتفاء، بل البحث عن المزيج الأقل هشاشة والأكثر استدامة.

من الأمن الزراعي إلى الأمن الصناعي

هناك تحول آخر أقل وضوحاً: الأمن الغذائي لم يعد مسألة مزارع فقط.

كلما ازدادت قدرة المملكة على تصنيع المواد الخام محلياً، ازدادت سيطرتها على جزء أكبر من سلسلة الغذاء حتى لو جاءت بعض المدخلات من الخارج.

وهذا يفسر لماذا تستهدف السياسات الحالية توطين الصناعات الغذائية، لا الزراعة فقط.

فاستيراد القمح ثم طحنه وتصنيعه محلياً مختلف اقتصادياً عن استيراد المنتج النهائي. وكذلك استيراد الزيوت الخام أو السكر الخام ثم معالجتها داخل المملكة.

القيمة التي تبقى محلياً تشمل المصنع والوظائف والتعبئة والتخزين والنقل والعلامة التجارية والأرباح.

ولهذا يقول التقرير إن الميزان التجاري الغذائي لا ينبغي أن يُقرأ كرقم مجرد؛ فالعجز في المدخلات قد يكون مختلفاً تماماً عن العجز في المنتجات النهائية.

الأمن الغذائي أصبح شبكة لا مخزناً

المخزون الاستراتيجي يظل مهماً، لكنه ليس كافياً وحده.

النموذج السعودي الذي تصفه المادة يقوم عملياً على عدة طبقات متداخلة: إنتاج محلي انتقائي، تصنيع داخلي، استيراد من أسواق متعددة، استثمارات خارجية، مخزون، وتمويل حكومي وتنموي، إلى جانب لوجستيات وتبريد وموانئ وشبكات توزيع.

قوة النظام لا تأتي من طبقة واحدة، بل من صعوبة تعطلها كلها في الوقت نفسه.

وهذا هو الفارق بين تأمين سلعة وبناء منظومة أمن غذائي.

الأولى تسأل: كم لدينا من القمح؟

الثانية تسأل: من أين يأتي القمح؟ ومن يملكه؟ وما البدائل؟ وما حجم المخزون؟ وكيف يصل إلى المطاحن؟ وهل تستطيع الموانئ استقباله؟ وما الذي يحدث إذا تعطل أحد الموردين؟

السياسة الأكثر نضجاً ليست الأكثر اكتفاءً

هناك إغراء سياسي دائم في تحويل نسب الاكتفاء إلى لوحة نتائج: كلما اقترب الرقم من 100% بدا الأداء أفضل.

لكن الموارد لا تعمل بهذه البساطة.

إذا كانت زيادة الاكتفاء في سلعة ما تستهلك ماءً شديد الندرة أو تحتاج دعماً يفوق قيمتها الاقتصادية، فقد تصبح النقطة المئوية الإضافية في الاكتفاء أغلى من فائدتها.

أما إذا كانت السلعة استراتيجية، وتملك المملكة فيها قدرة إنتاجية حقيقية، أو تستطيع بناء صناعة تصديرية حولها، فقد يكون رفع الاكتفاء استثماراً منطقياً.

لهذا فإن أكثر السياسات الغذائية نضجاً ليست بالضرورة تلك التي تنتج كل شيء.

بل تلك التي تعرف ما الذي ينبغي ألا تنتجه أيضاً.

بعد عقود من التجربة، يبدو أن السعودية انتقلت من سؤال بسيط: «كيف ننتج غذاءنا؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: «كيف نضمن غذاءنا بأقل قدر ممكن من الهشاشة؟»

والجواب لم يعد مزرعة أكبر.

إنه مزيج من المزرعة والمصنع والميناء والمخزون والاستثمار الخارجي.

وهكذا يصبح الاستيراد أحياناً جزءاً من الأمن الغذائي، لا نقيضه؛ ويصبح الاكتفاء وسيلة تُستخدم حيث تجدي، لا هدفاً يطغى على كل اعتبار آخر.