قبل سنوات، كانت الشركات تنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره مهمة تقنية تقتصر على حماية الأجهزة والشبكات.
اليوم أصبح الأمن السيبراني جزءًا من الإدارة نفسها: الشركات تعرف أنظمةها، وتحدد من يستطيع الوصول إليها، وتراقب الموردين، وتسجل الحوادث، وتختبر نقاط الضعف.
وقد يسير الذكاء الاصطناعي في الاتجاه نفسه.
فـOpenAI دعت مؤخرًا إلى متطلبات سلامة وطنية إلزامية في الولايات المتحدة للنماذج الأكثر تقدمًا، تشمل اختبارات موحدة، وتقييمات مستقلة، ومتطلبات للإبلاغ عن الحوادث، وضوابط أقوى للأمن السيبراني. وفي الوقت نفسه، أكدت أن هذه القواعد يجب أن تستهدف عددًا محدودًا من المختبرات القادرة على تطوير أكثر النماذج تقدمًا، لا الشركات الصغيرة أو الباحثين العاديين.
لكن ماذا يعني ذلك للشركات التي لا تطور هذه النماذج، وإنما تستخدمها فقط؟
من هو المسؤول عن النموذج داخل الشركة؟
لنفترض أن شركة تستخدم عدة نماذج للذكاء الاصطناعي:
أحدها لخدمة العملاء، وآخر لتحليل البيانات، وثالث يساعد الموظفين على كتابة الأكواد، ورابع يعمل كوكيل يستطيع تنفيذ مهام داخل أنظمة الشركة.
كلما زادت هذه الاستخدامات، يصبح السؤال الإداري بسيطًا لكنه مهم:
هل تعرف الشركة أصلًا ما هي النماذج التي تستخدمها، وماذا تستطيع أن تفعل؟
هذا هو السبب الذي قد يجعل حوكمة الذكاء الاصطناعي تشبه الأمن السيبراني.
فبدل الاكتفاء بشراء الأداة، ستحتاج الشركات إلى معرفة:
ما البيانات التي يصل إليها النموذج؟
ما الأنظمة التي يستطيع استخدامها؟
هل يعمل بشكل مستقل؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا اتخذ قرارًا خاطئًا أو تسبب في حادث؟
كلما ارتفعت قدرة النموذج على العمل دون تدخل بشري مباشر، زادت أهمية هذه الأسئلة.
لماذا يصبح المورد جزءًا من المخاطر؟
عندما تعتمد شركة على نموذج خارجي، فهي لا تشتري برنامجًا ثابتًا.
النموذج قد يتغير بمرور الوقت، وتُحدث الشركة المطورة قدراته أو طريقة عمله أو سياسات الأمان الخاصة به.
وهذا يعني أن مخاطر المورد تصبح جزءًا من مخاطر الشركة نفسها.
فإذا كان نموذج معين متصلًا بأنظمة داخلية حساسة، فإن أي تغيير كبير في قدراته قد يتطلب إعادة تقييمه.
لهذا قد تصبح عقود الذكاء الاصطناعي مستقبلًا أكثر تفصيلًا، وتشمل شروطًا مثل الإبلاغ عن الحوادث، وحقوق التدقيق، ووضوح التغييرات في النموذج، وإمكانية نقل النظام إلى مورد آخر إذا ظهرت مشكلة.
لماذا نحتاج تقييمات مستقلة؟
OpenAI تدعو إلى تقييمات مستقلة للنماذج المتقدمة، وهو اتجاه بدأ يظهر فعليًا في التشريعات.
ففي 9 سبتمبر 2026، وقّعت كاليفورنيا قانونين جديدين؛ أحدهما ينشئ إطارًا لجهات مستقلة تستطيع تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي، والآخر ينشئ سجلًا ومعايير لمدققي الذكاء الاصطناعي.
الفكرة تشبه إلى حد ما التدقيق المالي.
الشركة تستطيع أن تقول إن نظامها آمن، لكن التقييم المستقل يعطي طرفًا آخر فرصة لاختبار هذا الادعاء وفق معايير موحدة.
وهذا قد يساعد الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي أيضًا؛ لأنها لن تعتمد فقط على وعود المورد، بل على تقييمات قابلة للمقارنة.
هل التنظيم يمكن أن يرفع التكلفة؟
نعم.
كل اختبار إضافي، ومتطلبات توثيق، وتدقيق، وإبلاغ عن الحوادث تعني تكاليف أكبر.
وهذا قد يعطي الشركات الكبرى أفضلية؛ لأنها تمتلك فرقًا قانونية وأمنية وتقنية أكبر قادرة على تحمل متطلبات الامتثال.
لكن OpenAI نفسها تقول إن الإطار المقترح يجب أن يكون مبنيًا على القدرة والمخاطر، بحيث لا تفرض القواعد نفسها على نموذج صغير ونموذج قادر على تنفيذ مهام عالية الخطورة.
وهذا الفرق مهم؛ لأن التنظيم غير المتناسب قد يرفع تكلفة الدخول إلى السوق ويقلل المنافسة، بينما التنظيم الموجه يحاول التركيز على الأنظمة التي تحمل أكبر المخاطر.
من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إدارته
كلما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أعمق من الأعمال، لن يكفي أن تسأل الشركة:
هل نستخدم AI؟
بل ستحتاج إلى أسئلة أكثر دقة:
أي نماذج نستخدم؟
ما مستوى خطورتها؟
من يراقبها؟
ما البيانات التي تصل إليها؟
وماذا نفعل إذا فشلت؟
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية إلى أصل يجب إدارته ومراقبته مثل أي بنية أساسية داخل الشركة.
فالمرحلة المقبلة قد لا تكون فقط سباقًا على تبني أفضل نموذج، بل سباقًا على بناء الشركات الأكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بثقة، ومراقبته، وإثبات أنها تعرف ما الذي يعمل داخل أنظمتها فعليًا.
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!