تواجه المؤسسات الصحية تحديًا يتجاوز توفير أحدث التقنيات الطبية، يتمثل في كيفية الاستفادة منها دون زيادة الأعباء التشغيلية. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد توجه تقني، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المستشفيات على تحسين خدماتها وإدارة مواردها بكفاءة أكبر. وتكشف الأبحاث الحديثة في هذا المجال عن فرص قد تغير طريقة تقديم الرعاية الصحية، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول جدواها الاقتصادية.

وفي دراسة نشرتها مجلة Scientific Reports التابعة لـNature، بحث فريق من العلماء إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الغدة النخامية تلقائيًا في صور الرنين المغناطيسي لأدمغة الأطفال بعمر ست سنوات. وتكمن صعوبة هذه المهمة في اختلاف الخصائص التشريحية بين الأطفال والبالغين، ما يجعل نقل النماذج المدربة على بيانات البالغين إلى الفئات العمرية الأصغر أمرًا يحتاج إلى معالجة دقيقة.

وللتغلب على ذلك، استخدم الباحثون تقنية التعلم بالنقل، التي تتيح الاستفادة من نموذج مدرب مسبقًا وتكييفه مع بيانات جديدة بدلًا من تطوير نظام كامل من البداية. واعتمد تطوير النموذج على بيانات 61 طفلًا، قبل اختباره على مجموعة مستقلة ضمت 15 طفلًا. وأظهرت النتائج ارتفاع معامل تطابق المناطق التي حددها النموذج مع المناطق المرجعية (Dice) إلى 0.83، مقارنة بـ0.72 للنموذج الأصلي المدرب على بيانات البالغين، ما يشير إلى تحسن في قدرته على تحديد الغدة النخامية.

قد يبدو هذا التطور محدودًا من الناحية الطبية، لكنه يحمل دلالة اقتصادية مهمة. فتطوير الأنظمة الذكية يتطلب وقتًا وبيانات واستثمارات كبيرة، ولذلك فإن إعادة استخدام النماذج الموجودة وتكييفها لتطبيقات متخصصة قد تخفض بعض تكاليف البحث والتطوير، وتختصر الطريق أمام المؤسسات التي تسعى إلى إدخال حلول الذكاء الاصطناعي في خدماتها.

ويمتد التأثير المحتمل إلى إنتاجية المستشفيات أيضًا. فتحليل الصور الطبية من المهام التي تستغرق وقتًا من المختصين، وأي تحسن في أتمتة مراحلها قد يساعد على تسريع العمل وتخفيف الضغط على الكوادر الطبية. ومع ارتفاع أعداد المرضى وتزايد الطلب على خدمات التشخيص، تصبح القدرة على إنجاز المزيد من الفحوصات بالموارد المتاحة عاملًا مؤثرًا في كفاءة الإنفاق الصحي.

لكن النتائج لا تعني أن النموذج أصبح جاهزًا للاستخدام السريري الواسع. فقد بلغ متوسط الخطأ النسبي المطلق في تقدير حجم الغدة 17.1%، فيما سجل معامل الاتفاق بين القياسات (ICC) 0.48، ما يشير إلى استمرار بعض القيود في دقة التقدير. كما أن اختباره على 15 طفلًا فقط يظل محدودًا، ولا يكفي للحكم على أدائه في مختلف الحالات والبيئات الطبية.

وهنا تظهر التكلفة التي قد لا تكون واضحة عند الحديث عن أتمتة التشخيص. فالمستشفيات لا تحتاج إلى شراء التقنية فحسب، بل إلى توفير بنية رقمية مناسبة، وتدريب العاملين، والتحقق من دقة النتائج، وتحديث الأنظمة باستمرار. وإذا لم تحقق هذه الاستثمارات تحسنًا فعليًا في سرعة الخدمة وجودتها، فقد تتحول التقنية من وسيلة لخفض النفقات إلى بند إضافي في ميزانية التشغيل.

ومن الجوانب اللافتة في الدراسة أن الباحثين أفصحوا عن تقديم طلب براءة اختراع متعلق بالنموذج المطور. وهذه الخطوة تفتح بابًا آخر للنظر إلى الابتكار الطبي، ليس بوصفه إنجازًا بحثيًا فقط، بل أصلًا معرفيًا يمكن أن تكون له قيمة تجارية مستقبلًا، خصوصًا مع تزايد اهتمام القطاع الصحي بالحلول الرقمية المتخصصة.

ما يحدث في هذا المجال يعكس تحولًا في طبيعة المنافسة بين المؤسسات الصحية؛ فلم تعد الأفضلية مرتبطة بامتلاك الأجهزة الأكثر تطورًا وحدها، بل بقدرة المؤسسة على توظيف التقنية بطريقة تحقق نتائج أفضل مقابل ما تنفقه. فالذكاء الاصطناعي قد يجعل تحليل الصور الطبية أكثر كفاءة، لكن نجاحه اقتصاديًا سيظل مرهونًا بقدرته على تعويض تكاليف تطويره وتشغيله بقيمة ملموسة للمؤسسة والمريض.