خلال السنوات الأخيرة، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية تبدو مستقبلية إلى أداة موجودة في حياتنا اليومية. أصبح قادرًا على كتابة النصوص، وتحليل الصور، وترجمة اللغات، والمساعدة في البرمجة، وحتى التعامل مع كميات كبيرة من البيانات خلال وقت قصير.
لكن التطور الأهم ربما لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز هذه المهام، وإنما في انتقاله تدريجيًا من الاستخدامات العامة إلى المهن المتخصصة. فكلما أصبحت الأنظمة أكثر قدرة على فهم المجالات المختلفة، بدأت الشركات في استخدامها داخل أعمال تحتاج إلى معرفة دقيقة وخبرة متخصصة.
ومن أبرز المجالات التي بدأت تشهد هذا التحول القطاع المالي، وهو قطاع يعتمد بصورة كبيرة على البيانات والأرقام والتحليل والبحث المستمر.
ChatGPT يدخل القطاع المالي
في تطور جديد، أعلنت شركة OpenAI عن ChatGPT for Financial Services، وهي خدمة مخصصة للمؤسسات المالية، وتهدف إلى مساعدة العاملين في مجالات مثل الخدمات المصرفية الاستثمارية وأبحاث الأسهم والتحليل المالي.
وبحسب تقرير نشرته Reuters، يمكن للأداة المساعدة في إجراء الأبحاث، وتحليل المعلومات والبيانات، وبناء النماذج المالية، وإعداد التقارير والمواد المخصصة للعملاء، إضافة إلى التعامل مع مصادر بيانات مالية متخصصة.
ما يجعل هذا الإعلان مهمًا هو أن استخدام الذكاء الاصطناعي هنا لم يعد مجرد تجربة أو استخدام عام لأداة محادثة، بل أصبح موجهًا إلى بيئة عمل مالية حقيقية تحتوي على بيانات متخصصة ومهام مهنية تحتاج إلى الدقة.
لماذا يعد ذلك تطورًا مهمًا؟
القطاع المالي من أكثر القطاعات اعتمادًا على المعلومات. المحلل المالي، على سبيل المثال، قد يحتاج إلى مراجعة تقارير الشركات، ومقارنة الإيرادات والأرباح، ودراسة الديون، ومتابعة أخبار الأسواق، وتحليل أداء القطاعات المختلفة قبل إعداد تقرير واحد.
هذه العملية قد تستغرق ساعات طويلة، خصوصًا عندما تكون كمية المعلومات كبيرة.
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا يشبه المساعد البحثي؛ إذ يستطيع المساعدة في جمع المعلومات وتنظيمها وتلخيصها وتحليلها مبدئيًا، بحيث ينتقل الموظف بسرعة أكبر إلى الجزء الذي يحتاج إلى خبرته وحكمه المهني.
مثال من البرمجة يوضح الصورة
لفهم ما قد يحدث في القطاع المالي، يمكن النظر إلى مجال البرمجة.
أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة اليوم على كتابة أجزاء من الأكواد البرمجية، واكتشاف بعض الأخطاء، واقتراح حلول للمشكلات. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا يعني أن المبرمج لم يعد ضروريًا.
لكن كتابة الكود ليست سوى جزء من عمل المبرمج. فهو يحتاج أولًا إلى فهم المشكلة، وتحديد احتياجات المشروع، وتصميم النظام، واختيار الطريقة المناسبة لبنائه، ثم اختبار البرنامج والتأكد من أمانه ومعالجة الأخطاء التي تظهر فيه.
لذلك لم تختفِ وظيفة المبرمج بسبب الذكاء الاصطناعي، وإنما تغيرت طبيعة العمل. أصبحت بعض المهام أسرع، وأصبح المبرمج قادرًا على التركيز على جوانب أكثر تعقيدًا بدلًا من قضاء معظم وقته في المهام المتكررة.
وهذا هو السيناريو الذي قد يتكرر في القطاع المالي: الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إنجاز جزء من العمل، لكن الخبير يظل مسؤولًا عن فهم النتائج وتقييمها واتخاذ القرار.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اتخاذ القرار المالي؟
رغم قدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يستطيع اتخاذ جميع القرارات المالية بمفرده.
فقرار الاستثمار، مثلًا، لا يعتمد على الأرقام فقط. هناك عوامل اقتصادية وسياسية وسوقية، إضافة إلى مستوى المخاطر وأهداف المستثمر والظروف المحيطة بالشركة.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقول إن أرباح شركة ارتفعت بنسبة معينة، أو أن ديونها زادت خلال عدة سنوات، لكنه لا يستطيع تحويل هذه الأرقام تلقائيًا إلى قرار صحيح في كل حالة.
وهنا تظهر أهمية الإنسان: الآلة تساعد في قراءة المعلومات، والإنسان يضعها في سياقها ويتحمل مسؤولية القرار.
ماذا يعني ذلك للوظائف المالية؟
من الطبيعي أن يثير دخول الذكاء الاصطناعي إلى القطاع المالي مخاوف حول مستقبل الوظائف، لكن تجربة القطاعات الأخرى تشير إلى أن الصورة ليست بالضرورة "إنسان ضد آلة".
في كثير من الحالات، يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تغيير المهام التي يقوم بها الموظف بدلًا من إلغاء الوظيفة بالكامل.
فالمحلل الذي كان يقضي ساعات في البحث عن المعلومات قد يستطيع إنجاز هذه المهمة خلال وقت أقصر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم يستثمر الوقت المتبقي في تفسير النتائج وإعداد التوصيات والتواصل مع العملاء.
وبذلك تصبح قيمة الخبرة البشرية أكبر في المجالات التي تحتاج إلى الحكم، والتفكير النقدي، وفهم السياق، والتواصل، وتحمل المسؤولية.
كيف يمكن أن يتغير القطاع المالي مستقبلًا؟
إذا استمر تطور هذه الأدوات، فمن المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا طبيعيًا من بيئة العمل في البنوك وشركات الاستثمار والتأمين وغيرها من المؤسسات المالية.
قد تصبح المهام التي كانت تستغرق ساعات من البحث والتحليل الأولي قابلة للإنجاز خلال دقائق، وقد يستطيع الموظف التعامل مع كميات أكبر من المعلومات دون زيادة مماثلة في الوقت والجهد.
وفي المقابل، ستزداد أهمية مهارات جديدة، مثل القدرة على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، وفهم البيانات، واكتشاف الأخطاء، ومعرفة حدود التقنية.
وقد لا يكون الموظف المالي في المستقبل مطالبًا بأن ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعة الحساب أو البحث، لأن الآلة ستكون أسرع منه في هذه الجوانب. لكن ستكون قيمته في معرفة السؤال الصحيح، وفهم الإجابة، واكتشاف الخطأ، وتحويل المعلومات إلى قرار مناسب.
الذكاء الاصطناعي كأداة وليس بديلًا كاملًا
يمكن النظر إلى التطور الحالي باعتباره مرحلة جديدة في علاقة الإنسان بالتقنية. فالحاسب لم يُلغِ المحاسب، وبرامج التصميم لم تُلغِ المصمم، وأدوات البرمجة الحديثة لم تُلغِ المبرمج.
لكن هذه التقنيات غيّرت طريقة أداء العمل، ورفعت سرعة الإنجاز، وجعلت بعض المهارات القديمة أقل أهمية، في حين زادت أهمية مهارات أخرى.
والذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. قوته الحقيقية قد لا تكون في استبدال الإنسان، وإنما في مضاعفة قدرته على العمل.
وفي القطاع المالي تحديدًا، يمكن أن يعني ذلك أن المحلل لن يقضي يومه كاملًا في البحث عن الأرقام وترتيبها، بل سيحصل على مساعد قادر على التعامل مع جزء كبير من هذه المهمة، بينما يركز هو على ما لا يزال يحتاج إلى الخبرة البشرية: الفهم، والتحقق، والحكم، واتخاذ القرار.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!