عندما ينمو سوق مالي جديد بسرعة، تبدأ الأسئلة من حوله بالتغير.

في البداية يكون السؤال: هل هذه التقنية ستنجح أصلًا؟
ثم يصبح: من سيستخدمها؟
وبعد أن يكبر السوق، يظهر سؤال أكثر أهمية:

من يضع القواعد؟

هذا ما يحدث اليوم مع العملات الرقمية في الولايات المتحدة، حيث يستعد مجلس الشيوخ للتصويت على تشريع يهدف إلى إنشاء إطار تنظيمي أكثر وضوحًا لسوق تُقدّر قيمته بنحو 2.3 تريليون دولار. لكن الخلاف حول القانون لا يتعلق بالكريبتو فقط، بل أيضًا بكيفية منع تضارب المصالح لدى المسؤولين الذين يملكون استثمارات في القطاع نفسه.

لماذا يحتاج الكريبتو إلى تنظيم أوضح؟

الأسواق المالية التقليدية تعمل ضمن قواعد تحدد نوع الأصل، والجهة التي تشرف عليه، وطريقة الإفصاح عنه، وما الذي يحدث عند الاحتيال أو الانهيار.

أما في العملات الرقمية، فقد ظلت هذه الحدود أقل وضوحًا.

هل الأصل الرقمي يُعامل كورقة مالية؟
أم كسلعة؟
ومن يشرف عليه: هيئة الأوراق المالية أم هيئة تداول السلع؟

هذا النوع من الغموض يخلق تكلفة اقتصادية حقيقية.

فالشركات لا تعرف دائمًا القواعد التي ستطبق عليها مستقبلًا، والمستثمر لا يعرف مستوى الحماية المتاح له، والجهات الرقابية قد تختلف حول من يملك الاختصاص.

لهذا فإن أحد الأهداف الأساسية للتشريع المقترح هو تقليل عدم اليقين التنظيمي وتوضيح مسؤوليات الجهات الرقابية.

لماذا تحب الشركات “اليقين التنظيمي”؟

لأن الشركة تستطيع التسعير والاستثمار والتوسع عندما تعرف القواعد مسبقًا.

عدم الوضوح يشبه بناء مشروع في أرض لا تعرف هل ستُسمح بالبناء عليها بعد سنة أم لا.

قد تستثمر، لكنك ستطلب عائدًا أعلى مقابل المخاطرة.

الأمر نفسه يحدث في الأسواق المالية.

كلما ارتفع عدم اليقين التنظيمي، قد ترتفع تكلفة رأس المال، ويتردد المستثمرون، وتؤجل الشركات بعض قرارات التوسع.

لذلك فإن وجود قواعد واضحة لا يعني بالضرورة تشديدًا على السوق، بل قد يعني أيضًا خفض تكلفة عدم اليقين.

لكن هل تنظيم السوق يكفي؟

ليس دائمًا.

هناك فرق بين سؤالين:

هل السوق منظم؟
وهل من يضع القواعد لديه مصلحة مالية داخل السوق؟

وهنا تدخل قضية تضارب المصالح.

جزء من الخلاف الحالي في مجلس الشيوخ يدور حول استثمارات الرئيس دونالد ترامب وعائلته في قطاع العملات الرقمية، وما إذا كان القانون يجب أن يفرض قواعد أكثر صرامة، مثل وضع بعض الأصول في صندوق ائتماني مستقل أو التخارج منها عند مستويات معينة. وقد أضيفت بالفعل تعديلات على بعض بنود الأخلاقيات، لكن عددًا من الديمقراطيين يرى أنها ما زالت غير كافية.

من الناحية الاقتصادية، هذه ليست مسألة جانبية.

الثقة في السوق لا تعتمد فقط على وضوح القواعد، بل أيضًا على اعتقاد المستثمرين بأن هذه القواعد تُطبق بشكل متساوٍ ولا تُصمم لخدمة أطراف محددة.

لماذا النزاهة جزء من قيمة السوق؟

أي سوق مالي يعتمد على الثقة.

إذا اعتقد المستثمر أن المعلومات غير متكافئة، أو أن بعض الأطراف تتمتع بنفوذ غير عادل، فإنه قد يطلب عائدًا أعلى مقابل المخاطرة أو ينسحب من السوق أصلًا.

ولهذا فإن الحوكمة والأخلاقيات ليست موضوعات منفصلة عن الاقتصاد.

هي تؤثر في تكلفة رأس المال، وفي حجم المشاركة، وفي قدرة السوق على جذب مؤسسات كبيرة ومستثمرين طويلَي الأجل.

ماذا نتعلم من هذه القضية؟

العملات الرقمية انتقلت من مرحلة “تجربة مالية” إلى مرحلة تحتاج فيها إلى بنية مؤسسية أكثر وضوحًا.

والسوق لا يحتاج فقط إلى قوانين تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع، بل يحتاج أيضًا إلى قواعد تجعل الأطراف تثق بأن التنظيم نفسه محايد.

وهنا يظهر الفرق بين تنظيم المنتج وتنظيم من يضع القواعد.

الأول يحمي السوق من الفوضى.
والثاني يحميه من تضارب المصالح.

ومع نضج الكريبتو، قد تصبح القيمة الحقيقية للتنظيم أقل ارتباطًا بكثرة القوانين، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على تحقيق شيء أبسط:

أن يعرف الجميع القواعد، وأن يصدقوا أنها تُطبق على الجميع بالطريقة نفسها.