قد يبدو نمو شركات التأمين واضحًا للوهلة الأولى: أقساط أكثر، وثائق أكثر، وإيرادات أعلى. لكن نتائج النصف الأول من 2026 تكشف أن زيادة حجم النشاط لا تعني بالضرورة زيادة قيمة ما تحققه الشركة.
فمن بين 25 شركة تأمين وإعادة تأمين مدرجة، حققت 16 شركة أرباحًا، مقابل 9 شركات سجلت خسائر، وبلغ صافي النتائج الإجمالية نحو 1.69 مليار ريال. لكن الجزء الأكبر من الأرباح تركز لدى شركتي بوبا العربية والتعاونية، اللتين حققتا معًا نحو 1.30 مليار ريال، أي قرابة ثلثي أرباح الشركات الرابحة.
هذه الصورة تطرح سؤالًا أوسع: متى يكون نمو شركة التأمين نموًا صحيًا فعلًا؟
القسط ليس ربحًا
الزيادة في الأقساط تعني أن الشركة باعت تغطيات تأمينية أكثر، لكنها لا تخبرنا وحدها بما تبقى للشركة بعد دفع المطالبات وتكاليف إعادة التأمين والمصروفات المرتبطة بالنشاط.
وتوضح نتائج التعاونية هذه الفكرة بوضوح. فقد ارتفعت إيرادات التأمين بنحو 15.9% إلى قرابة 12 مليار ريال، وارتفعت الأقساط المكتتبة بنسبة 21.5% إلى 14.53 مليار ريال، لكن صافي الربح تراجع بنحو 16% إلى 609.8 مليون ريال.
أي أن الشركة نمت من حيث حجم الأعمال، لكن هذا النمو لم يتحول بالكامل إلى أرباح.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: كم باعت الشركة؟ بل: كم كلفها تحقيق هذه المبيعات؟
عندما يتحول النمو إلى ربح
في المقابل، تظهر نتائج ميدغلف نموذجًا مختلفًا. فقد ارتفعت إيرادات التأمين إلى 2.57 مليار ريال بنمو 26.6%، وزادت الأقساط المكتتبة بنحو 41% لتصل إلى قرابة 3.91 مليار ريال، بينما ارتفع صافي الربح إلى 80.4 مليون ريال بنمو 343%.
في هذه الحالة، لم يكن النمو مجرد توسع في حجم المحفظة؛ بل صاحبه تحسن في نتيجة نشاط التأمين، إلى جانب مساهمة نتيجة الاستثمارات.
وهذا هو النوع الأكثر أهمية من النمو: أن تكبر الشركة، وفي الوقت نفسه تتحسن قدرتها على تحويل هذا الحجم إلى نتيجة مالية.
أحيانًا يكون الإصلاح أهم من النمو
لكن النمو ليس الطريق الوحيد لتحسين النتائج.
في ولاء، تراجعت إيرادات التأمين بنحو 11.3% إلى قرابة 1.31 مليار ريال، ومع ذلك تحولت الشركة من خسارة قدرها 117.3 مليون ريال في النصف الأول من العام السابق إلى ربح قدره 43.2 مليون ريال.
ما تغير هنا لم يكن حجم النشاط، بل جودة النتيجة الناتجة عنه؛ إذ تحولت نتيجة خدمات التأمين إلى ربح قدره 14.4 مليون ريال، وساهم دخل الاستثمارات البالغ 63 مليون ريال في دعم النتيجة النهائية.
وتظهر الصورة نفسها، بدرجات مختلفة، لدى شركات مثل الخليجية العامة واتحاد الخليج الأهلية، حيث تحسنت النتائج رغم عدم اعتماد التحسن على نمو كبير في الإيرادات.
وهذا يوضح أن تحسين التسعير وإدارة المطالبات والمصروفات والمحفظة قد يكون أحيانًا أكثر قيمة من مجرد بيع وثائق إضافية.
لماذا لا تتساوى الأقساط مع الإيرادات؟
من أكثر النقاط التي قد تربك قراءة نتائج شركات التأمين الفرق بين الأقساط المكتتبة وإيرادات التأمين.
فالأقساط المكتتبة تعكس حجم الأعمال التي جرى اكتتابها، بينما إيرادات التأمين ترتبط بالفترة التي اكتسبت فيها الشركة التغطية التأمينية فعليًا، لذلك قد لا تظهر قيمة العقد كاملة في الإيرادات خلال الفترة نفسها.
وتوضح نتائج الدرع العربي هذه الفكرة؛ فقد ارتفعت الأقساط المكتتبة بنحو 114%، بينما تحركت إيرادات التأمين في اتجاه مختلف.
لذلك، النظر إلى الأقساط وحدها قد يعطي انطباعًا مبالغًا فيه عن النمو. الأهم هو متابعة ما يحدث لهذه الأقساط بعد الاعتراف بها كإيرادات، ثم ما يتبقى منها بعد تكاليف النشاط.
الاستثمار يساعد.. لكنه لا يصلح كل شيء
تدخل الاستثمارات أيضًا في معادلة الربحية، وقد تكون مساهمتها واضحة في نتائج عدد من الشركات.
لكن الاعتماد عليها لا يعوض بالضرورة ضعف النشاط التأميني الأساسي. فشركة التأمين في جوهرها تبيع حماية من المخاطر، وبالتالي فإن قدرتها على تسعير هذه المخاطر وإدارة المطالبات وإعادة التأمين هي ما يحدد جودة أعمالها على المدى الطويل.
ولهذا فإن قراءة نتيجة خدمات التأمين إلى جانب نتيجة الاستثمار تعطي صورة أوضح: هل الربح جاء من النشاط الذي تقوم عليه الشركة أصلًا، أم أن الاستثمار هو الذي حمل جزءًا كبيرًا من النتيجة؟
التأمين ليس مجرد سوق لبيع الوثائق
أهمية هذه النتائج تتجاوز الشركات نفسها. فالتأمين جزء من البنية المالية للاقتصاد؛ فهو يسمح للشركات والأفراد بتحمل المخاطر التي قد تمنعهم من التوسع أو الاستثمار أو ممارسة النشاط أصلًا.
لكن حتى يؤدي هذا الدور بكفاءة، يجب أن يكون تسعير الخطر قريبًا من تكلفته الحقيقية.
إذا نمت الأقساط لأن الأسعار منخفضة أكثر من اللازم، فقد يبدو السوق في حالة توسع، بينما تتراكم المطالبات التي تضغط لاحقًا على الأرباح. أما إذا كان النمو مصحوبًا بتسعير مناسب وإدارة جيدة للمخاطر، فإنه يصبح أكثر استدامة.
من يكبر في الحجم.. ومن يكبر في القيمة؟
تكشف نتائج النصف الأول أن شركات التأمين لا تسير في اتجاه واحد.
هناك شركات جمعت بين نمو الإيرادات وتحسن الربحية مثل ميدغلف ولِيفا وGIG، وأخرى زادت إيراداتها لكن ارتفاع المطالبات ضغط على نتائجها مثل التعاونية. وفي المقابل، هناك شركات حسّنت نتائجها من خلال معالجة النشاط وإدارة المحفظة حتى مع تراجع الإيرادات، مثل ولاء.
لذلك، لا يكفي أن نسأل عن نسبة نمو شركة التأمين. السؤال الأهم هو: هل كل ريال إضافي من الأقساط يضيف قيمة، أم يضيف معه تكلفة ومخاطر أكبر؟
فالفرق بين شركة تكبر في المبيعات وشركة تكبر في القيمة، هو قدرتها على معرفة السعر الذي يستحقه الخطر الذي قبلت تحمّله.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!