أنهت السعودية ترتيب قرض دولي مجمّع بقيمة 13 مليار دولار لمدة سبع سنوات، مخصص لدعم مشاريع الطاقة والمياه والمرافق العامة، في خطوة تأتي ضمن استراتيجية المملكة لتنويع مصادر التمويل وإدارة الدين العام على المدى المتوسط.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا تقترض السعودية وهي تملك موارد مالية ضخمة؟ بل: ماذا ستفعل بهذا الاقتراض؟

فالدين ليس سلبياً في حد ذاته. المشكلة تبدأ عندما يُستخدم لتمويل إنفاق لا يخلق قيمة مستقبلية. أما إذا وُجّه إلى مشاريع ترفع الإنتاجية وتوسع قدرة الاقتصاد، فقد يتحول الدين إلى أداة للنمو.

من الاقتراض إلى صناعة العائد

مشاريع الطاقة والمياه والمرافق ليست مجرد مصروفات حكومية؛ فهي البنية الأساسية التي يحتاجها الاقتصاد للتوسع.

لا يمكن للصناعة أن تنمو دون طاقة موثوقة، ولا يمكن للمدن والمشاريع الجديدة أن تتوسع دون مياه ومرافق، كما أن الاستثمارات الحديثة، مثل مراكز البيانات والاقتصاد الرقمي، تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة.

لذلك، فإن الاستثمار في هذه القطاعات يمكن أن يخلق أثراً يتجاوز المشروع نفسه، عبر جذب استثمارات خاصة ورفع الإنتاجية وخلق فرص اقتصادية جديدة.

وهنا تظهر المعادلة التي تراهن عليها السعودية: إذا كان العائد الاقتصادي من الإنفاق أعلى من تكلفة الاقتراض، فإن الدين يمكن أن يكون استثماراً وليس عبئاً.

ارتفاع العجز لا يروي القصة كاملة

يأتي القرض في وقت تشهد فيه المالية العامة السعودية عجزاً في الميزانية، لكن الرقم وحده لا يكفي للحكم على السياسة المالية؛ فالأهم هو معرفة أين يذهب الإنفاق.

إذا كان جزء كبير منه يذهب إلى مشاريع وبنية تحتية ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فإن تقييم العجز يختلف عن عجز ناتج عن الإنفاق الاستهلاكي.

ولهذا تركز المملكة على كفاءة الإنفاق: ليس بالضرورة خفض الإنفاق، وإنما توجيهه إلى المجالات التي تحقق أثراً اقتصادياً أكبر.

تجربة كوريا الجنوبية: عندما يتحول التمويل إلى قدرة اقتصادية

تقدم كوريا الجنوبية مثالاً مهماً على هذه الفكرة. فخلال عقود تحولها الاقتصادي، وظفت كوريا الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والصناعة، ما ساهم في انتقالها من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد مرتفع الدخل.

المغزى ليس أن السعودية ستكرر التجربة الكورية حرفياً، وإنما أن الاقتراض والاستثمار يصبحان أكثر منطقية عندما يتحول التمويل إلى بنية إنتاجية ترفع قدرة الاقتصاد على النمو.

ولهذا فإن نجاح قرض الـ13 مليار دولار سيعتمد في النهاية على ما ستنتجه هذه الأموال من طاقة ومياه وبنية تحتية واستثمارات وإنتاجية جديدة.

ليس المهم كم تقترض، بل ماذا تبني بما اقترضت.