لسنوات، كانت لوحة البيانات تجيب عن سؤال بسيط:
ماذا يحدث في الشركة؟
كم بلغت المبيعات؟
أي منطقة حققت أفضل أداء؟
أين ارتفعت التكاليف؟
لكن ماذا لو استطاعت اللوحة أن تفعل أكثر من عرض الإجابة؟
ماذا لو استطاع الموظف تعديل البيانات، أو تشغيل إجراء معين، أو إنشاء طلب، أو تحديث حالة عميل مباشرة من الأداة نفسها؟
هنا تبدأ الحدود بين لوحة البيانات والتطبيق في الاختفاء.
وهذا هو الاتجاه الذي تدفع نحوه Microsoft مع توسيع قدرات منصة Fabric إلى قاعدة مستخدمي Power BI، التي تضم أكثر من 425 ألف مؤسسة ونحو 35 مليون مستخدم أعمال شهريًا بحسب الشركة.
ما الفرق أصلًا بين لوحة البيانات والتطبيق؟
لوحة البيانات التقليدية تعمل غالبًا في اتجاه واحد:
البيانات → المستخدم.
هي تجمع المعلومات وتحللها ثم تعرضها في رسوم ومؤشرات تساعد الشخص على اتخاذ القرار.
أما التطبيق فيضيف اتجاهًا آخر:
المستخدم → البيانات والنظام.
فالمستخدم لا يرى أن المخزون انخفض فقط، بل يمكنه إنشاء طلب شراء. ولا يرى أن العميل تأخر في السداد فقط، بل يستطيع تحديث الحالة أو تشغيل إجراء متابعة.
وهذا الفرق يبدو صغيرًا، لكنه يغير وظيفة الأداة بالكامل.
فالتحليل يخبرك بما يجب فعله، بينما التطبيق يساعدك على تنفيذ ما قررته.
لماذا تريد Microsoft الجمع بين الاثنين؟
لأن كثيرًا من القرارات داخل الشركات تبدأ أصلًا من البيانات.
المحلل يبني تقريرًا، ثم يرسل النتيجة إلى موظف آخر، ثم يفتح ذلك الموظف نظامًا مختلفًا لينفذ الإجراء.
هذه السلسلة تخلق خطوات إضافية بين المعلومة والفعل.
إذا أصبحت أداة التحليل نفسها قادرة على استقبال المدخلات، وتحديث البيانات، والحفاظ على حالة مشتركة بين المستخدمين، يمكن اختصار جزء من هذه الرحلة.
وهذا ما تستهدفه تطبيقات Fabric، التي تعتمد على خدمات تشمل قواعد بيانات SQL وواجهات تسمح للتطبيقات بقراءة البيانات وتعديلها، وليس عرضها فقط. وتوضح Microsoft أن عمليات القراءة والكتابة داخل تطبيقات Fabric تستهلك موارد المنصة الحاسوبية مثل أي تطبيق تشغيلي آخر.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟
هنا يحدث التحول الأكبر.
في السابق، بناء تطبيق يتطلب عادة مطورًا يعرف لغات البرمجة وقواعد البيانات وواجهات المستخدم والنشر.
أما الآن، فأدوات مثل GitHub Copilot وClaude Code وCodex تجعل من الممكن إعطاء وكيل برمجي تعليمات بلغة طبيعية، مثل:
“أنشئ لي تطبيقًا يتابع العملاء المتأخرين في السداد ويتيح للموظف تحديث حالة المتابعة.”
ثم يساعد الوكيل في كتابة جزء كبير من الكود وبناء التطبيق.
هذا لا يعني أن كل مستخدم Power BI أصبح مطور برمجيات محترفًا.
لكنه يخفض تكلفة الانتقال من الفكرة إلى النموذج الأولي.
وهذا مهم اقتصاديًا؛ لأن كثيرًا من الأدوات الداخلية الصغيرة لا تُبنى أصلًا، ليس لأنها غير مفيدة، بل لأن تكلفة تخصيص فريق تطوير لها أكبر من فائدتها المتوقعة.
من “Business Intelligence” إلى “Business Action”
لطالما كان هدف أدوات ذكاء الأعمال هو جعل البيانات مفهومة.
لكن المرحلة التالية قد تكون جعلها قابلة للتنفيذ مباشرة.
الموظف الذي كان يبني تقرير مبيعات قد يستطيع بناء أداة صغيرة لإدارة العروض.
ومحلل العمليات الذي يتابع التأخير قد يبني تطبيقًا لتوزيع المهام.
ومسؤول المالية قد ينتقل من عرض المصروفات إلى إنشاء سير عمل لمراجعتها.
هنا تتحول البيانات من شيء ننظر إليه بعد حدوث النشاط إلى جزء من النشاط نفسه.
هل يعني ذلك اختفاء المطورين؟
على الأرجح لا.
كلما كبر التطبيق وازدادت حساسية البيانات وعدد المستخدمين، ترتفع الحاجة إلى المطورين وفرق تقنية المعلومات لضمان الأمن والأداء والتكامل والحوكمة.
لكن الدور قد يتغير.
بدل أن يبدأ فريق التقنية كل مشروع من الصفر، قد يبدأ المستخدم التجاري الفكرة ويبني نموذجًا أوليًا، ثم يتولى المطور تحويله إلى تطبيق أكثر قوة واعتمادية.
وهذا يفسر فكرة إمكانية تسليم تطبيق Fabric لاحقًا إلى فرق التطوير دون إعادة بنائه بالكامل.
عندما يصبح بناء البرمجيات مهارة أعمال
Microsoft لا توسع Power BI فقط؛ بل تختبر فكرة أوسع:
ماذا يحدث عندما يصبح بناء تطبيق بسيط قريبًا في سهولته من بناء لوحة بيانات؟
إذا نجحت هذه الفكرة، فقد يتغير توزيع العمل داخل المؤسسات.
الموظف الذي يفهم المشكلة والبيانات قد يصبح قادرًا على بناء جزء من الحل بنفسه، بينما يركز المطورون على الأنظمة الأكثر تعقيدًا.
وهنا قد تكون القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في البرمجة ليست أن يكتب الكود أسرع فقط، بل أن يوسّع من يستطيع تحويل فكرة إلى برنامج.
وعندها قد تختفي الحدود بين من يحلل البيانات ومن يبني الأدوات التي تعمل بها.
فالمرحلة القادمة من ذكاء الأعمال قد لا تكون مجرد لوحة تخبرك بما حدث.
بل تطبيقًا يساعدك على فعل شيء حياله.
إخلاء مسؤولية: (أُعدّت هذه المادة بإشراف محرر “يمامة إنسايتس” وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض التثقيف المالي، ولا تُعد توصية بالشراء أو البيع أو الاحتفاظ بأي ورقة مالية، كما أنّها تعبّر عن آراء أصحابها وليس رأي المنصة).
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!