تجربة «فورتسكيو» في مناجم الحديد الأسترالية تكشف كيف يمكن لشبكة طاقة متجددة متكاملة أن تخفض التكاليف، وتقلل الاعتماد على الديزل، وتحمي الصناعة من تقلبات الأسعار واضطرابات الإمداد.
لعقود طويلة، كانت الطاقة في حسابات الشركات الصناعية بندًا في قائمة التكاليف: فاتورة تُدفع، ويُسعى إلى خفضها قدر الإمكان. لكن مع تحول الصناعة تدريجيًا نحو الكهرباء، بدأ سؤال مختلف يفرض نفسه: ماذا لو تحولت الطاقة نفسها من عبء تشغيلي إلى مصدر للتفوق على المنافسين؟
يخشى كثير من التنفيذيين أن يؤدي استبدال المعدات العاملة بالوقود الأحفوري ببدائل كهربائية إلى إضعاف قدرتهم التنافسية. غير أن امتلاك طاقة متجددة وفيرة وموثوقة والتحكم فيها قد يقلب هذه المعادلة.
ماذا تفعل «فورتسكيو» في أستراليا؟
تُعد «فورتسكيو» من أكبر مستهلكي الديزل في أستراليا، وتختبر هذه الفكرة في عملياتها لاستخراج خام الحديد في منطقة بيلبارا النائية غرب البلاد. فهناك تبني ما تسميه «الشبكة الخضراء»، وهي شبكة طاقة متكاملة تجمع بين توليد الكهرباء من مصادر متجددة، وتخزينها، ونقلها، وشحن المعدات، وإدارة ذلك كله رقميًا.
وتأتي الشبكة ضمن برنامج أوسع تسميه الشركة «الصفر الحقيقي»، يستهدف التخلص من انبعاثات النطاقين الأول والثاني في عمليات خام الحديد البرية في أستراليا بنهاية 2030، دون اللجوء إلى شراء تعويضات الكربون. وتُعد الشبكة جزءًا من استثمارات مخطط لها في هذا البرنامج بقيمة 6.2 مليار دولار، أي نحو 23 مليار ريال.
ما انبعاثات النطاقين الأول والثاني؟
انبعاثات النطاق الأول هي الانبعاثات المباشرة الصادرة عن مصادر تملكها الشركة، مثل شاحنات الديزل في المناجم. أما النطاق الثاني فيشمل الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن إنتاج الكهرباء التي تشتريها الشركة. ويعني هدف «دون تعويضات» أن الشركة لن تكتفي بشراء أرصدة كربون لموازنة انبعاثاتها، بل ستعمل على خفضها فعليًا.
لماذا تتجه شركة تعدين إلى الكهرباء؟
إلى جانب خفض الانبعاثات، تطرح الشركة مبررات تجارية واضحة: تقليل الاعتماد على الديزل، والحد من التعرض لمخاطر الإمداد وتقلبات الأسعار، وخفض تكاليف التشغيل، وتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل.
وتزداد قيمة الاستقلال في الطاقة في أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي والحروب والتهديدات التي تطال طرق التجارة الحيوية، مثل مضيق هرمز. وتشير مديرة العمليات المتكاملة في الشركة، كيتي تشاروغا، إلى اضطراب إمدادات الغاز بعد أن ضرب إعصار «زيليا» ساحل بيلبارا، إلى جانب المخاطر التي يواجهها إمداد الديزل بسبب الصراع في الشرق الأوسط.
وبحسب قيادات الشركة، يُتوقع أن يحل هذا التحول محل ما يصل إلى مليار لتر سنويًا من الديزل أو ما يعادله عند اكتمال تطبيقه، مع خفض متوقع في تكلفة الإنتاج النقدية المباشرة يتراوح بين 2 و4 دولارات لكل طن متري رطب من خام الحديد.
وتلخص تشاروغا الفكرة بقولها إن الطاقة يجب أن تُرى أصلًا تنافسيًا حقيقيًا، لا مجرد مدخل تشغيلي، بل شيئًا يمكن استخدامه لصالح الشركة.
كيف تعمل «الشبكة الخضراء»؟
تمتد عمليات الشركة في بيلبارا على خمسة مواقع تعدين، تعمل فيها نحو 800 معدة ثقيلة متحركة، إضافة إلى نحو 3 آلاف مركبة خفيفة يشملها برنامج التحول إلى الكهرباء. وتتعاون الشركة مع مصنعين، منهم «ليبهير» و«إكس سي إم جي»، ويُتوقع وصول أول شاحنة نقل كهربائية تعمل بالبطاريات من طراز «ليبهير T 264» إلى بيلبارا خلال هذا العام.
ولتشغيل هذه المعدات، تعتمد الشبكة المستهدف اكتمالها في 2028 على أربعة مكونات رئيسية:
الطاقة الشمسية: بقدرة 1.5 غيغاواط، منها مزرعة شمسية بقدرة 100 ميغاواط تغذي حاليًا منجم «آيرون بريدج» بنحو ربع احتياجاته من الكهرباء.
طاقة الرياح: بقدرة تتجاوز 900 ميغاواط، عبر مزرعة رياح قيد الإنشاء تمد التوليد المتجدد إلى ما بعد ساعات النهار.
البطاريات: بسعة تخزين 5 غيغاواط ساعة، وهي طاقة تكفي لتزويد مدينة بحجم بيرث بالكهرباء لعدة ساعات.
شبكة النقل: بطول نحو 660 كيلومترًا، اكتمل منها 550 كيلومترًا.
ويربط هذه المكونات نظام إدارة رقمي، إذ ينسق مركز العمليات عن بُعد بين إمدادات الطاقة والمعدات، فيما تستخدم تقنية لإدارة البطاريات برمجيات قائمة على الفيزياء والذكاء الاصطناعي لتحسين عمليات الشحن والأداء.
البطارية الافتراضية
من أطرف ما في التجربة أن ربط مواقع التعدين الخمسة بشبكة واحدة يتيح نقل الكهرباء من موقع إلى آخر حين تحجب الغيوم الشمس عن أحدها. كما يمكن للشاحنات الأكثر استهلاكًا للطاقة أن تعمل أكثر خلال ساعات النهار، حين تكون الطاقة الشمسية وفيرة، لتجميع خام الحديد ومعالجته ليلًا.
ويصف مدير المشاريع في الشركة، كوري دينيس، هذا الأسلوب بأنه يعمل «كبطارية افتراضية»، فبدل تخزين الكهرباء، تُوجَّه الأعمال الأكثر استهلاكًا للطاقة إلى الأوقات التي تتوافر فيها، ما يرفع كفاءة استخدام المعدات.
هل الطاقة المتجددة أرخص فعلًا؟
تستند الفكرة إلى مؤشر يُعرف بـ«التكلفة المستوية للكهرباء»، وهو متوسط تكلفة إنتاج الميغاواط ساعة طوال عمر المحطة، شاملًا البناء والتشغيل والوقود.
ووفق توقعات «GenCost 2025-26» الصادرة عن هيئتي «CSIRO» و«AEMO» الأستراليتين، تتراوح هذه التكلفة للمحطات الجديدة في أستراليا عام 2030 بين 29 و76 دولارًا أستراليًا للميغاواط ساعة في الطاقة الشمسية، وبين 64 و104 دولارات لطاقة الرياح البرية، مقابل 108 إلى 184 دولارًا للغاز. وهي تقديرات خاصة بالسوق الأسترالية، وتختلف من بلد إلى آخر.
هل يمكن تعميم التجربة؟
يرى دينيس أن الفكرة قابلة للنقل إلى صناعات أخرى كثيفة الاستهلاك للطاقة، عبر تصميم أنظمة الطاقة المتجددة حول أحمال التشغيل الفعلية لكل موقع. ويضرب مثالًا بصناعة الإسمنت، فمعرفة متى يعمل المصنع بكامل طاقته، ومتى يخضع للصيانة، ومتى ينخفض إنتاجه، تسمح بتصميم نظام طاقة يتكيف مع هذه المتغيرات.
لكن قابلية التعميم تتوقف على عمر كل منشأة وتصميمها ومتطلبات تشغيلها. إذ تحذر أليسون ريف، مديرة برنامج الطاقة والتغير المناخي في معهد «غراتان» الأسترالي، من أن المنشآت القديمة لن تستطيع ببساطة تكرار هذا النهج، لأن «الفائدة الحقيقية تتطلب بناء شيء جديد».
ويرى روي غرين، الأستاذ الفخري في جامعة التكنولوجيا في سيدني، أن الشركة فكرت في الأمر جيدًا ولديها خطة عمل، مضيفًا أن «هناك الكثير مما قد يسير على نحو خاطئ، لكنها تبدو سلسلة منطقية من الخطوات».
ففي الصناعات الثقيلة، لا تظهر قيمة الطاقة في فاتورتها وحدها، بل في كل ساعة توقف تتجنبها المصانع، وكل أزمة إمداد لا تصل إليها.
ولهذا ربما لا يكون أفضل وصف للطاقة في المصانع أنها تكلفة يجب خفضها قدر الإمكان.
الأقرب إلى الواقع أنها قرار استراتيجي يحدد قدرة المنشأة على الإنتاج بتكلفة مستقرة، وعلى الصمود أمام تقلبات الأسعار واضطرابات الإمداد. وهو سؤال يكتسب أهمية خاصة في اقتصادات تملك وفرة في الشمس وطموحًا صناعيًا وتعدينيًا كبيرًا، كالمملكة.
ومن هنا تصبح تجربة «فورتسكيو» جديرة بالقراءة اقتصاديًا، لا بوصفها قصة شركة تعدين أسترالية فحسب، ولا باعتبارها نموذجًا جاهزًا يصلح لكل منشأة، وإنما باعتبارها نافذة يمكن من خلالها رؤية التحول الأكبر:
من التعامل مع الطاقة بوصفها فاتورة تُدفع، إلى التعامل معها بوصفها أصلًا تنافسيًا يُبنى.
تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مادة ترويجية نشرتها «فاينانشال تايمز» ضمن محتوى الشركاء لصالح شركة «فورتسكيو»، وجميع الأرقام والتصريحات الواردة صادرة عن الشركة نفسها، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!