هناك مشكلة غريبة تواجه شركات الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني:
الأداة التي تستطيع اكتشاف ثغرة أمنية لمساعدتك على إصلاحها، قد تساعد شخصًا آخر على استغلال الثغرة نفسها.
ولهذا لا يمكن التعامل مع قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الأمن بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع برنامج مكتبي عادي.
هذه الفكرة تسمى الاستخدام المزدوج أو Dual Use.
فالقدرة التقنية نفسها يمكن أن يكون لها استخدام مشروع وآخر ضار، وما يحدد النتيجة ليس الأداة فقط، بل من يستخدمها ولأي غرض.
وهذا ما يظهر بوضوح في قرار Anthropic توسيع برنامجها للتحقق السيبراني، الذي يمنح فرقًا أمنية مؤهلة وصولًا إلى نماذجها الأكثر قدرة مع قيود أقل على بعض المهام السيبرانية.
لماذا توجد القيود أصلًا؟
النماذج المتقدمة أصبحت قادرة على قراءة كميات ضخمة من الشيفرات البرمجية، وتحليلها، واكتشاف أخطاء قد يصعب على الإنسان العثور عليها بسرعة.
وهذه قدرة مفيدة جدًا لفريق يريد حماية نظامه.
لكن المشكلة أن بعض المهام المستخدمة في اختبار الأنظمة تشبه في طبيعتها المهام التي قد يستخدمها المهاجم.
ولهذا تضع الشركات طبقات أمان تمنع النموذج من تنفيذ بعض الطلبات الخطرة.
المشكلة أن هذه الطبقات لا تعرف دائمًا نية المستخدم بدقة.
فقد يطلب باحث أمني تحليل ثغرة حقيقية داخل نظام مصرح له باختباره، لكن النظام يمنع الطلب لأنه يبدو مشابهًا لنشاط هجومي.
وهنا يظهر التحدي:
كيف تمنع المهاجم من استخدام القدرة نفسها دون أن تمنع المدافع؟
الحل: ليس كل المستخدمين متساوين
بدل تخفيف القيود على الجميع، تتجه Anthropic إلى نموذج مختلف:
كلما ارتفعت حساسية القدرة، ارتفعت متطلبات الوصول إليها.
البرنامج الجديد يتضمن مستويات مختلفة من الوصول حسب نوع العمل الأمني ومستوى التحقق.
فالفرق التي تعمل في الاستجابة للحوادث وتحليل البرمجيات الخبيثة يمكن أن تحصل على مستوى معين، بينما يخضع اختبار الأنظمة الأكثر حساسية لضوابط وتحقق أشد.
أما المستوى المتخصص، الذي يمكن استخدامه في أنظمة مثل شبكات الكهرباء والطيران والاتصالات والبنية المالية، فهو مخصص لعدد محدود من المؤسسات الموثقة، وتقول Anthropic إنها تراجع هذه الجهات بعمق بالتعاون مع الحكومة الأمريكية.
الفكرة تشبه منح الصلاحيات داخل الشركات.
ليس كل موظف يحتاج إلى الوصول إلى كل الملفات.
المحاسب يحصل على صلاحيات يحتاجها لأداء عمله، ومدير النظام يحصل على صلاحيات أكبر، بينما تبقى أكثر الأنظمة حساسية محصورة في عدد محدود من الأشخاص.
هل تعطي القدرات الأقوى نتيجة فعلية؟
بحسب Anthropic، أظهر مشروع Glasswing لماذا قد يكون منح المدافعين قدرات أوسع مفيدًا.
فبين أبريل ويوليو 2026، قالت الشركة إن شركاء البرنامج اكتشفوا ما لا يقل عن 129 ألف ثغرة برمجية مؤكدة، إضافة إلى 5,500 ثغرة اكتشفتها جهود المسح مفتوحة المصدر التابعة للشركة حتى أكتوبر.
ومن إجمالي الرقمين معًا، صُنّف أكثر من 33 ألفًا حتى الآن على أنها عالية أو حرجة الخطورة. وتقول Anthropic إن هذه الأرقام قد تكون أقل بكثير من التأثير الحقيقي لأن البيانات جاءت من جزء فقط من الشركاء.
هذه الأرقام توضح جانبًا مهمًا من اقتصاد الأمن السيبراني:
الأتمتة تستطيع خفض تكلفة البحث عن المشكلة.
فبدل انتظار خبير ليقرأ ملايين الأسطر البرمجية يدويًا، يستطيع الذكاء الاصطناعي فحص كميات أكبر بكثير ثم يركز البشر على التحقق والإصلاح.
لكن لماذا لا نفتح هذه القدرات للجميع؟
لأن خفض تكلفة اكتشاف الثغرات يعمل في الاتجاهين.
إذا أصبح العثور على مشكلة أمنية أسرع وأرخص بالنسبة للمدافع، فقد يصبح كذلك بالنسبة للمهاجم.
وهنا يظهر سباق غير معتاد:
من سيجد الثغرة أولًا؟
الشركة التي تستطيع إصلاحها، أم الطرف الذي يريد استغلالها؟
لهذا لا يقتصر التحدي في الذكاء الاصطناعي على بناء نموذج أكثر قوة، بل على تحديد من يحصل على هذه القوة وتحت أي شروط.
من أمان المنتج إلى إدارة الصلاحيات
قد يكون هذا أحد التحولات المهمة في طريقة تنظيم الذكاء الاصطناعي مستقبلًا.
فبدل نموذج بسيط تكون فيه القدرات إما متاحة أو محظورة، قد نرى أنظمة تعتمد على هوية المستخدم، ونوع المؤسسة، والغرض من الاستخدام، ومستوى الرقابة.
أي أن سؤال السلامة لن يكون فقط:
ماذا يستطيع النموذج أن يفعل؟
بل أيضًا:
لمن نسمح له بأن يفعل ذلك؟
وهنا تتحول حماية الذكاء الاصطناعي من مجرد وضع قيود داخل النموذج إلى مسألة أوسع تتعلق بإدارة الثقة والصلاحيات والمخاطر.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!