عندما تريد شركة بناء مصنع تقليدي، فإنها تبحث عن الأرض والعمالة والنقل والمواد الخام.

أما عند بناء «مصنع للذكاء الاصطناعي»، يظهر عامل آخر في مقدمة القائمة:

من أين ستأتي الكهرباء؟

هذه المشكلة بدأت تغير حتى الأماكن التي تُبنى فيها مراكز البيانات.

في بريطانيا، أعلنت Drax شراكة لتطوير مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي داخل موقع محطة Drax Power Station في شمال إنجلترا. الخطة تستهدف ما يصل إلى 100 ميغاواط في المرحلة الأولى بداية من 2028، ثم طموحًا لإضافة 500 ميغاواط بين 2028 و2031، مع إمكانية وصول المشروع مستقبلًا إلى أكثر من غيغاواط. وقدّرت Brookfield أن إجمالي الاستثمار المحتمل، بما يشمل الرقائق، قد يتجاوز 20 مليار جنيه إسترليني.

السؤال هنا ليس فقط: لماذا هذا الحجم؟

بل:

لماذا داخل محطة كهرباء أصلًا؟

المشكلة ليست إنتاج الكهرباء فقط

مركز البيانات يحتاج إلى كهرباء هائلة، لكن وجود الكهرباء في الدولة لا يعني تلقائيًا إمكانية استخدامها في أي مكان.

يجب أن تكون هناك قدرة كافية في شبكة النقل، ومحطات ومحولات وتوصيلات تسمح بإيصال تلك الطاقة إلى الموقع.

وهنا تظهر مشكلة تسمى عمليًا الوقت للوصول إلى الطاقة – Time to Power.

قد تملك الشركة الأرض والتمويل والرقائق، لكنها تنتظر سنوات للحصول على اتصال كهربائي بالحجم المطلوب.

لهذا تصبح المواقع التي تمتلك بنية كهربائية قائمة ذات قيمة مرتفعة جدًا.

وموقع Drax، مثلًا، يمتلك وصولًا للشبكة بقدرة 4 غيغاواط، إضافة إلى 2.6 غيغاواط من قدرة التوليد القابلة للتشغيل، فضلًا عن الأرض وأنظمة التبريد وقربه من شبكات الألياف البصرية.

بمعنى آخر، المشروع لا يبدأ من أرض فارغة.

جزء كبير من «الطرق السريعة» التي تحتاج إليها الكهرباء موجود مسبقًا.

من محطة صناعية إلى بنية رقمية

هذا يكشف تحولًا اقتصاديًا مثيرًا.

المواقع الصناعية القديمة قد تصبح ذات قيمة جديدة ليس بسبب المصنع الذي كان موجودًا فيها، بل بسبب البنية التحتية التي تراكمت حوله.

محطة كهرباء كبيرة تحتاج تاريخيًا إلى شبكة قوية، وأرض واسعة، وأنظمة تبريد واتصالات ونقل.

وهذه الصفات نفسها أصبحت مطلوبة لمراكز البيانات.

لذلك قد نرى في السنوات القادمة انتقال بعض المواقع الصناعية من إنتاج السلع أو الكهرباء فقط إلى استضافة جزء من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.

فالذكاء الاصطناعي يبدو خدمة رقمية، لكن بناءه يعتمد على أصول مادية ثقيلة جدًا.

لماذا أصبحت الشبكة موردًا اقتصاديًا؟

إذا طلب مركز بيانات 500 ميغاواط من الكهرباء، فهو لا ينافس مراكز البيانات الأخرى فقط.

هناك مصانع ومنازل ومشروعات جديدة وسيارات كهربائية ومضخات حرارية تحتاج جميعها إلى الشبكة نفسها.

ولهذا بدأت الحكومات تفكر في كيفية إعطاء الأولوية للمشروعات الاستراتيجية، ومن يتحمل تكلفة توسعة الشبكة.

الحكومة البريطانية، مثلًا، أطلقت «Data Centre Covenant» الذي يربط تسريع التخطيط والوصول إلى الكهرباء بشروط تشمل تحمل مراكز البيانات نصيبها من تكاليف الطاقة، وكفاءة استخدام الماء والكهرباء، وتقديم وظائف ومنافع للمجتمعات المحلية. كما تستهدف بريطانيا الوصول إلى نحو 6 غيغاواط من قدرة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

وهنا نرى أن الكهرباء لم تعد مجرد فاتورة تشغيل.

أصبحت عاملًا يحدد أين يمكن أن ينمو قطاع كامل.

لكن ما المقابل؟

القرب من محطة طاقة يحل جزءًا من المشكلة، لكنه يخلق أسئلة أخرى.

زيادة الطلب على الكهرباء قد تحتاج إلى استثمارات جديدة في التوليد والشبكات، وإذا لم ينمُ إنتاج الطاقة النظيفة بالسرعة نفسها فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على مصادر أعلى انبعاثًا.

وهذا هو سبب الجدل حول المشروع؛ فالمؤيدون يرونه وسيلة لجذب الاستثمار وبناء قدرة حوسبية محلية، بينما يحذر منتقدون من أن الزيادة السريعة في طلب مراكز البيانات على الطاقة قد تضغط على أهداف خفض الانبعاثات.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم الخريطة الصناعية

في الاقتصاد الرقمي القديم، كان الموقع يبدو أقل أهمية: البرنامج يمكن تطويره من أي مكان تقريبًا.

لكن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يعيد الموقع إلى الواجهة.

فالمعالج يحتاج إلى كهرباء، والكهرباء تحتاج إلى شبكة، والشبكة تحتاج إلى بنية تحتية استغرق بناؤها عقودًا.

ولهذا قد تصبح أفضل قطعة أرض لبناء مركز ذكاء اصطناعي ليست الأرض الأرخص.

بل الأرض التي يوجد بجوارها ميغاواط جاهز للعمل.

فالسباق على الذكاء الاصطناعي لا يدور فقط حول من يمتلك أفضل نموذج أو أكبر عدد من الرقائق، بل أيضًا حول سؤال أكثر بساطة:

من يستطيع إيصال الكهرباء إليها أولًا؟