يمكن لدولة أن تمنح المستثمر أرضًا بسعر مخفض وتمويلًا ميسرًا وإعفاءات سخية، ثم تكتشف أن المشروع لم يبدأ. فالحوافز تخفض التكاليف المعروفة، لكنها لا تعالج بالضرورة تأخر الإجراءات أو ضعف الخدمات أو نقص المهارات.
يستطيع المستثمر حساب الضريبة والفائدة، لكنه يتردد أمام تكلفة لا يعرف حجمها أو موعدها. لذلك لا تتنافس الاقتصادات على حجم الحوافز فقط، بل على قدرتها على تحويل قرار الاستثمار إلى مشروع منتج. وهذا ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، التي تجمع بين زيادة حجم الاستثمارات ورفع كفاءتها.
عدم اليقين ضريبة خفية
لا يبحث المستثمر عن اقتصاد خالٍ من المخاطر، بل عن مخاطر يستطيع قياسها. فتغير الطلب مخاطرة تجارية يمكن إدخالها في دراسة الجدوى، أما غموض الأنظمة أو تفاوت تطبيقها أو تأخر التراخيص فيجعل تكلفة المشروع أقل قابلية للتوقع.
ولا يقتصر الاستقرار على الجانب السياسي والأمني، بل يشمل وضوح الإجراءات وسرعة التقاضي وإمكان تسوية النزاعات. فكل شهر انتظار يعني رواتب وإيجارات وتكلفة تمويل من دون إيرادات.
ولهذا يؤكد نظام الاستثمار في المملكة أهمية الإجراءات الشفافة والعادلة، والمساواة بين المستثمرين، وتسهيل الإجراءات وإتاحة الوسائل البديلة لتسوية المنازعات. لكن القيمة الاقتصادية للنظام تظهر في تطبيقه وتجربة المستثمر بين الجهات المختلفة.
التكلفة الحقيقية تبدأ خارج المشروع
قد تبدو الأرض رخيصة، لكن المصنع يصبح مكلفًا إذا تعطلت مدخلاته في النقل والجمارك، أو لم تتوافر له الطاقة والاتصالات بالموثوقية اللازمة. فكل تأخر يرفع المخزون ويجمد جزءًا من رأس المال العامل.
ولا يكفي وجود السيولة إذا لم يتوافر تمويل يتناسب مع عمر المشروع. كما تؤثر الفائدة والتضخم في تكاليف البناء والتشغيل والتدفقات النقدية المتوقعة، وقد تتغير بسببهما جدوى المشروع قبل أن يبدأ الإنتاج.
لذلك لا تُقاس جاذبية السوق بتكلفة التأسيس وحدها، بل بكفاءة البنية التحتية والخدمات اللوجستية، وتنوع أدوات التمويل، وقدرة المشروع على الوصول إلى الموردين والعملاء ضمن وقت وتكلفة يمكن توقعهما.
رأس المال لا يعمل بلا مهارات
قد يجذب الاقتصاد رأس المال والتقنية أسرع من قدرته على استيعابهما. فالمشروع يحتاج إلى فنيين ومهندسين ومديرين، وإلى موردين وشركات صيانة وخدمات قانونية ومالية قادرة على مساندته.
لذلك يُعد التعليم والتدريب والبحث والتطوير جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية. فالطريق ينقل المعدات إلى المصنع، لكن المهارة هي التي تحولها إلى إنتاج.
الإصلاح قبل الحافز
تظل الحوافز مفيدة لإطلاق صناعة جديدة أو دعم تقنية ناشئة، لكنها لا تستطيع تعويض المستثمر باستمرار عن ضعف الإجراءات أو البنية أو التمويل أو المهارات.
الحافز يعوض المستثمر عن تكلفة، أما الإصلاح فيزيل التكلفة من أصلها.
ولهذا لا تكون البيئة الاستثمارية الأفضل هي التي تقدم العرض المالي الأكبر، بل التي يستطيع فيها المستثمر توقع القواعد والزمن والتكلفة. فالوجهة الأكثر تنافسية ليست الخالية من المخاطر، بل التي تجعل مخاطرها واضحة وقابلة للحساب.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!