رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، في أول زيادة منذ يوليو 2023.

وللوهلة الأولى قد يبدو القرار متناقضًا مع وصف الفيدرالي نفسه للاقتصاد بأنه يتوسع بوتيرة قوية، مع مرونة في الإنفاق، وقوة في الإنتاجية والاستثمار.

فإذا كان الاقتصاد في وضع جيد، لماذا يحتاج البنك المركزي إلى رفع الفائدة؟

الإجابة تبدأ من فهم هدف السياسة النقدية نفسها.

الفائدة لا ترتفع فقط عندما يكون الاقتصاد في أزمة

أحد الأهداف الرئيسية للفيدرالي هو الحفاظ على استقرار الأسعار، مع استهداف تضخم يبلغ 2% على المدى الطويل.

وخلال الأشهر الماضية، استمر التضخم فوق هذا المستوى، بينما ظل الاقتصاد وسوق العمل قادرين على تحمل ظروف مالية مشددة نسبيًا. وكان الفيدرالي قد أشار في تقاريره السابقة إلى استمرار قوة النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنتاجية، مع بقاء التضخم مرتفعًا عن الهدف.

وهنا تظهر مفارقة مهمة:

قوة الاقتصاد قد تكون أحد الأسباب التي تسمح برفع الفائدة، لا سببًا لعدم رفعها.

فإذا كان المستهلك لا يزال ينفق، والشركات تستثمر، والتوظيف مستقر، فإن رفع تكلفة الاقتراض قليلًا قد يخفف الضغوط السعرية دون التسبب مباشرة في هبوط حاد للنشاط.

كيف تخفض الفائدة التضخم؟

عندما يرفع الفيدرالي سعر الفائدة، لا يستطيع إجبار المتاجر على تخفيض الأسعار مباشرة.

لكن القرار ينتقل تدريجيًا عبر الاقتصاد.

ترتفع تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، وقد تصبح القروض العقارية وتمويل السيارات وبطاقات الائتمان وتمويل الشركات أكثر تكلفة.

ومع ارتفاع تكلفة المال، قد تتباطأ بعض قرارات الشراء والاستثمار.

فتصبح السلسلة تقريبًا:

رفع الفائدة ⟵ تقليل الاقتراض ⟵ تراجع الإنفاق والاستثمار ⟵ انخفاض الضغط على الطلب ⟵ تباطؤ تضخم الأسعار

ولهذا توصف السياسة النقدية بأنها تعمل بشكل غير مباشر.

لماذا قوة الإنفاق مهمة؟

إذا ظل الطلب قويًا لفترة طويلة بينما لا يستطيع العرض مواكبته بالسرعة نفسها، قد تجد الشركات مساحة أكبر لرفع الأسعار.

وظهرت مؤخرًا إشارات إلى استمرار قوة المستهلك الأميركي، حيث ارتفعت مبيعات التجزئة في أغسطس بقوة، وهو ما عزز تقديرات النمو للربع الثالث وفي الوقت نفسه أبقى المخاوف التضخمية قائمة.

وهنا تصبح مهمة الفيدرالي أكثر دقة.

هو لا يريد القضاء على الإنفاق، بل يريد منع الطلب من النمو بوتيرة تجعل التضخم يستمر فوق المستوى المستهدف.

أي أن الهدف ليس إيقاف الاقتصاد، وإنما إعادة سرعته إلى مستوى أكثر توافقًا مع استقرار الأسعار.

ماذا عن الاستثمار القوي والإنتاجية؟

أشار الفيدرالي أيضًا إلى قوة الاستثمار الرأسمالي ونمو الإنتاجية.

وهذه نقطة إيجابية لأنها تعني أن الاقتصاد لا يعتمد فقط على زيادة الاستهلاك، بل هناك استثمارات يمكن أن تزيد القدرة الإنتاجية مستقبلًا.

زيادة الإنتاجية تعني، ببساطة، القدرة على إنتاج كمية أكبر باستخدام الموارد نفسها.

وهذا يساعد في مكافحة التضخم على المدى الطويل؛ لأن الاقتصاد يستطيع تلبية طلب أكبر دون الحاجة إلى رفع الأسعار بنفس الدرجة.

لكن أثر الإنتاجية يحتاج وقتًا، بينما يتعامل البنك المركزي مع الضغوط التضخمية الموجودة اليوم.

لماذا 25 نقطة أساس فقط؟

الزيادة بمقدار ربع نقطة مئوية تمثل تحركًا تدريجيًا.

فالفائدة المرتفعة أكثر من اللازم قد تخفض التضخم، لكنها قد تضغط أيضًا على الاستثمار وسوق الإسكان والتوظيف.

أما التحرك المحدود فيسمح للفيدرالي بتشديد السياسة ومراقبة النتائج قبل اتخاذ خطوات إضافية.

وهذا مهم لأن السياسة النقدية تعمل بتأخر؛ فقد يستغرق تأثير قرار اليوم أشهرًا حتى يظهر كاملًا في الاقتصاد.

قوة الاقتصاد لا تعني غياب التضخم

أهم درس في قرار الفيدرالي هو أن النمو والتضخم ليسا الشيء نفسه.

قد يتمتع الاقتصاد بنمو جيد واستثمار قوي وسوق عمل مستقر، وفي الوقت نفسه تكون الأسعار ترتفع بسرعة أكبر مما يريده البنك المركزي.

لهذا لا يسأل الفيدرالي فقط:

هل الاقتصاد قوي؟

بل يسأل أيضًا:

هل هذه القوة متوازنة بما يكفي لإعادة التضخم إلى 2%؟

وعندما تكون الإجابة غير واضحة، قد تصبح الفائدة الأعلى وسيلة لشراء المزيد من الاستقرار.

فالهدف النهائي ليس جعل الاقتصاد أبطأ لمجرد إبطائه، وإنما الوصول إلى نقطة يستطيع فيها الاقتصاد الاستمرار في النمو من دون أن تصبح زيادة الأسعار الثمن الدائم لذلك النمو.