عندما نسمع عن مشروع جديد للذكاء الاصطناعي، نتوقع عادة الحديث عن عدد الرقائق أو سرعة النماذج.
لكن المشاريع الكبرى بدأت تستخدم وحدة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن التقنية:
الميغاواط.
ففي التوسع الجديد للتعاون بين «هيوماين» و«إنفيديا» في السعودية، تصل القدرة المخطط لها إلى 84 ميغاواط، تضم نحو 27 ألف وحدة معالجة رسومية من أجيال Blackwell وVera Rubin.
لماذا أصبحت الكهرباء مقياسًا لحجم مشروع ذكاء اصطناعي؟
لأن الذكاء الاصطناعي في النهاية ليس برنامجًا يعمل في الفراغ، بل صناعة مادية تحتاج إلى طاقة ومبانٍ وتبريد وشبكات ومعدات باهظة الثمن.
ما معنى 84 ميغاواط؟
الميغاواط يقيس القدرة الكهربائية، وليس كمية البيانات أو قوة النموذج مباشرة.
وعندما يقال إن بنية حوسبية للذكاء الاصطناعي تبلغ قدرتها عشرات الميغاواط، فهذا يعطينا فكرة عن حجم الطاقة التي يمكن أن تحتاج إليها المعدات والبنية المرتبطة بها أثناء التشغيل.
فالرقائق المتقدمة تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، وتولد في المقابل حرارة تحتاج إلى أنظمة تبريد، كما تحتاج آلاف المعالجات إلى شبكات عالية السرعة حتى تعمل كأنها حاسوب واحد ضخم.
لهذا فإن بناء «مصنع ذكاء اصطناعي» لا يعني شراء وحدات GPU ووضعها في غرفة.
بل بناء منظومة كاملة حولها.
من الكهرباء إلى الحوسبة
يمكن النظر إلى مركز بيانات الذكاء الاصطناعي مثل مصنع تقليدي.
المصنع يأخذ الكهرباء والمواد الخام ويحوّلها إلى منتج.
أما «مصنع الذكاء الاصطناعي» فيستخدم الكهرباء والرقائق والبيانات ليقدم قدرة حوسبية تستخدم في تدريب النماذج وتشغيلها.
وهذه القدرة نفسها يمكن بيعها عبر الخدمات السحابية.
في المرحلة الأولى من المشروع، تخطط «هيوماين» لنشر نحو 6 آلاف وحدة معالجة رسومية من Blackwell بقدرة 14 ميغاواط لدعم خدمات «هيوماين كلاود» والعملاء من الشركات والجهات العامة. ثم يستهدف التعاون إضافة 70 ميغاواط من بنية Vera Rubin، بما يمثل نحو 21 ألف وحدة إضافية.
إذن الأصل الاقتصادي هنا ليس الرقاقة وحدها.
بل القدرة المستمرة على تشغيلها وتحويلها إلى خدمة يستخدمها عميل ويدفع مقابلها.
لماذا لا يكفي شراء المزيد من الرقائق؟
لنفترض أن شركة استطاعت شراء 20 ألف معالج متقدم.
إذا لم يكن لديها ما يكفي من الكهرباء لتشغيلها، أو نظام تبريد قادر على التعامل مع حرارتها، أو شبكات تستطيع نقل البيانات بينها بسرعة، فإن جزءًا من قيمة هذه الرقائق لن يستطيع العمل بكفاءة.
ولهذا أصبحت الطاقة واحدة من أكبر القيود على توسع مراكز البيانات عالميًا.
حتى إن إنفيديا نفسها تتحدث اليوم عن انتقال «مصانع الذكاء الاصطناعي» من أحجام تقاس بالميغاواط إلى الغيغاواط، ما يعكس تضخم حجم البنية التحتية المطلوبة لتشغيل الجيل الجديد من النماذج.
أين تكمن القيمة الاقتصادية للسعودية؟
هنا يصبح الموضوع أوسع من استضافة مركز بيانات.
إذا امتلك الاقتصاد قدرة حوسبية كبيرة محليًا، يمكن للشركات أن تستأجر هذه القدرة لتدريب وتشغيل نماذجها دون الحاجة إلى بناء البنية التحتية بنفسها.
وبحسب «هيوماين»، فإن هدفها هو ربط مراكز البيانات بالحوسبة السحابية والنماذج والتطبيقات ضمن منظومة واحدة، بينما تشير الخطط المنشورة إلى تطوير قدرة لمراكز البيانات تقارب 3 غيغاواط بحلول 2030 وأكثر من 6 غيغاواط بحلول 2034.
وهذا يوضح الفرق بين شراء التقنية وامتلاك بنية تحتية تقنية.
الأولى تجعل المؤسسة مستخدمًا للذكاء الاصطناعي.
أما الثانية فقد تجعلها مزودًا للقدرة التي يحتاج إليها الآخرون لبناء الذكاء الاصطناعي.
الطاقة أصبحت جزءًا من اقتصاد المعرفة
لوقت طويل، كان الحديث عن الاقتصاد الرقمي يوحي بأن القيمة أصبحت منفصلة عن الموارد المادية.
لكن طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد إظهار العلاقة بين العالمين.
كل نموذج متقدم يحتاج إلى رقائق.
والرقائق تحتاج إلى كهرباء.
والكهرباء تحتاج إلى شبكات ومراكز بيانات وتبريد ورأس مال ضخم.
ولهذا عندما نقرأ أن مشروعًا للذكاء الاصطناعي تبلغ قدرته 84 ميغاواط، فنحن لا نقرأ رقمًا هندسيًا فقط.
نحن نقرأ مقياسًا لحجم المصنع الرقمي الذي يجري بناؤه.
فالسباق في الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط حول من يملك أفضل نموذج، بل أيضًا حول من يملك الطاقة والبنية التحتية القادرة على تشغيل النماذج على نطاق واسع وتحويل الحوسبة إلى نشاط اقتصادي.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!