العالم منقسم حول طاولة واحدة

في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026، وداخل مجلس الأمن، جلس رؤساء كبرى شركات الذكاء الاصطناعي ليحذروا العالم بأنفسهم من ضرورة وضع قواعد دولية قبل أن تفلت التقنية من السيطرة. وجاءت المواقف متباينة: فالرئيس الأمريكي ترامب رفض أي سيطرة عالمية، والصين مدت يدها للتعاون، والرئيس الفرنسي ماكرون دعا الدول المستقلة إلى التحالف بعيدًا عن التبعية لأي طرف. أما السعودية، التي أعلنت عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، فاتخذت موقفًا متوازنًا: تعاون دولي، على أن يبقى القرار بيد الدول.

أمام هذا الانقسام، طُرحت القضية للنقاش عبر خمسة محاور، وجاءت آراء المشاركين على النحو الآتي.

المحور الأول: هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى معاهدة كالمعاهدات النووية؟

رأت جودي حماده @Joudi Hamadah أن الذكاء الاصطناعي لا يبلغ خطورة السلاح النووي، لكنه في الوقت نفسه ليس بلا مخاطر، إذ يمكن أن يُستخدم في التجسس أو تحليل المعلومات الحساسة أو تسريب البيانات السرية. لذلك أيدت تنظيم استخداماته الخطرة، ورفضت معاملته معاملة السلاح النووي أو إيقاف تطوره بالكامل.

في المقابل، رأت @مريم العليمي أن خطورة الذكاء الاصطناعي تعادل خطورة السلاح النووي أو تقترب منها، مستندة إلى توقعات باستخدامه في المستقبل القريب لتصنيع أنواع من الأسلحة قد تنافس السلاح النووي في فتكها، وهو ما يستوجب تنظيم هذا الاستخدام.

وعادت جودي حماده @Joudi Hamadah لتوضح موقفها، فأقرت بأن تطور الذكاء الاصطناعي قد يفتح مجالات خطرة لا يمكن توقعها حاليًا، خاصة إذا دخل المجال العسكري أو استُخدم في التجسس والهجمات السيبرانية. لكنها شددت على ضرورة التفريق بين التقنية ذاتها وطريقة استخدامها؛ فالذكاء الاصطناعي من صنع الإنسان وتحت توجيهه، والدول قادرة على وضع أنظمة تحدد الاستخدامات المسموحة وتمنع المخالف منها وتفرض العقوبات عند التجاوز. وأشارت إلى أن السلاح النووي صُمم أساسًا لإحداث دمار هائل تمتد آثاره لسنوات بسبب الإشعاع والتلوث، بينما الذكاء الاصطناعي تقنية متعددة الاستخدامات قد تكون نافعة أو ضارة. وختمت بعبارة تلخص موقفها: «نظّم الخطر ولا توقف التقنية».

وردت @مريم العليمي بأن وضع القيود سيقود إلى مشكلة أخرى، وهي تقدم الدول التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بحرية وتراجع غيرها. ومن هنا رأت أن معاملته بأهمية السلاح النووي قد تدفع الدول إلى الاتفاق على بنود مشتركة تمنع التفاوت بينها في التطور والتقدم.

وأضافت نوره الجريد @Noura Saad بُعدًا آخر للنقاش، إذ نبّهت إلى أن بقاء الذكاء الاصطناعي تحت التطوير البشري لا يعني الأمان بالضرورة، فهذا بحد ذاته يحمل خطورة إذا وصلت التقنية إلى الأشخاص الخطأ.

أما منير السلطان فرأى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أخطر سلاح ممكن، لأن مخاطره غير محدودة وقابليته للتطوير لا تتوقف، مما قد يجعل ما نراه اليوم غير قابل للتصور أمرًا واقعًا. وعدّ ذلك السبب الأهم وراء عمل المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، على تمكين هذا القطاع بأكبر قدر من الطاقة والاستثمار، لأنه المستقبل، ومن يستثمر فيه اليوم سيجني ثماره في المستقبل القريب.

ومن زاوية عملية، رأت رسيل النفيعي @Rasil Alnefaie أن السؤال الأهم ليس «هل نحتاج إلى معاهدة؟» بل «كيف نضمن أن تكون المعاهدة قابلة للتطبيق؟». فالذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، وأي اتفاق دولي يحتاج سنوات للتوافق عليه، وقد يصبح قديمًا بمجرد دخوله حيز التنفيذ. لذلك اقترحت بدلًا من المعاهدة الثابتة نظامًا دوليًا قابلًا للتحديث المستمر، بقواعد تُراجع كل سنة أو سنتين وفق تطور التقنية.

المحور الثاني: من يمسك زمام الحكم؟

رأت @مريم العليمي أن منح الشركات سلطة وضع القواعد التي ستخضع لها هي نفسها ليس الحل الأمثل. فالشركة عنصر تقني مهم يملك المعلومات، لكنها لا تملك تفويضًا سياسيًا يخولها وضع قواعد ملزمة للمجتمع الدولي، كما أنها صاحبة مصلحة اقتصادية ستقدمها على مصالح الجميع. لذلك ينبغي أن تقتصر مشاركتها على الجانب الاستشاري والفني، وتبقى سلطة التشريع والقرار للدول. غير أنها أقرت بأن الدول تفتقر إلى الخبرة التقنية اللازمة، مما يجعل الحل في شراكة تكاملية: طرف يضع المعايير بحكم خبرته التقنية، وطرف يمنحها الصفة الإلزامية ويضمن توافقها مع المصالح الدولية.

واتفقت معها @أيلا الشواف في جوهر الطرح، مؤكدة أن استبعاد الشركات من صياغة القواعد خطأ، لأنها الأكثر اطلاعًا على التفاصيل التقنية وقدرات الذكاء الاصطناعي ومخاطره. لكنها رفضت أن تضع الشركات القواعد لنفسها، لأن مصالحها التجارية قد تتعارض مع المصلحة العامة. فالحل في رأيها ليس استبعاد الشركات بل وضعها في مكانها الصحيح: تقديم الخبرة والاستشارة وتحديد المخاطر التقنية، دون أن تكون الجهة التي تضع القواعد وتراقب نفسها.

ودعت مارية العرب إلى نظام مشترك بدلًا من إعطاء السلطة لطرف واحد، محذرة من أن ترك السلطة للشركات وحدها قد ينقل جزءًا من القوة من الحكومات المنتخبة إلى شركات غير منتخبة.

وفي السياق نفسه، رأت @الهنوف العجلان أن الإشكال ليس في مبدأ التنظيم، بل في من يضعه وكيف يُطبق. فترك الأمر للشركات قد يخلق تعارضًا في المصالح، ومنح جهة دولية سلطة كاملة قد يقيد الدول في تطوير التقنية. والحل في رأيها قواعد دولية مشتركة تركز على المخاطر العابرة للحدود، كالأمن والخصوصية والاستخدامات الخطرة، مع ترك مساحة لكل دولة لتنظيم الاستخدام بما يناسب احتياجاتها، لا سيما أنه لا توجد حاليًا معاهدة دولية ملزمة، وأن الدول تختلف أصلًا في طريقة تعاملها مع هذا الملف.

المحور الثالث: السعودية والخليج، مع من؟

طرحت نوره الجريد @Noura Saad تساؤلًا حول المعاهدات الدولية وانفصال الموقف الأمريكي عنها، ففتح ذلك الباب لنقاش موقع السعودية.

رأت مارية العرب أن السعودية ليست مضطرة إلى الاختيار بين أمريكا والصين، فموقفها أقرب إلى التعاون الدولي مع الحفاظ على دور الدول وسيادتها. وحذرت من أن الاصطفاف الكامل مع قوة واحدة قد يخلق اعتمادًا تقنيًا وسياسيًا عليها، لذا يمكن للسعودية والخليج التعاون مع الجميع، مع بناء قدرات تقنية مستقلة وعدم الاعتماد الكلي على طرف واحد.

وأضافت نوره الجريد @Noura Saad أن الانضمام إلى مثل هذه المعاهدات قد يشكل ضررًا على السعودية، واستشهدت بتجربة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). فقد حصلت بريطانيا والدنمارك على استثناء من الانضمام إلى اليورو في معاهدة ماستريخت، وامتنعت السويد عمليًا عن الانضمام رغم عضويتها في الاتحاد الأوروبي. وظهرت فائدة ذلك بوضوح في أزمة الديون الأوروبية بين عامي 2010 و2012، إذ احتفظت هذه الدول بقدرتها على تحديد أسعار الفائدة وطباعة النقد وترك عملتها تنخفض لدعم صادراتها، بينما كانت دول مثل اليونان وإيطاليا مقيدة بسياسة نقدية واحدة يقررها البنك المركزي الأوروبي. وأشارت في المقابل إلى أن تكاليف الصرف وتقلبات العملة ظلت عبئًا على تجارة تلك الدول مع منطقة اليورو.

وعادت مارية العرب لتؤكد أن انضمام السعودية إلى أي اتفاقية لا ينبغي أن يكون تلقائيًا لمجرد أنها دولية، بل يجب النظر في طبيعة الالتزامات: هل تسمح للسعودية بتطوير تقنياتها بما يتناسب مع أهدافها؟ هل تمنحها مساحة للتعامل مع المخاطر المحلية؟ وهل تستطيع تعديل التزاماتها إذا تغيرت التقنية؟ وتساءلت: إذا كانت الاتفاقية ستفرض قواعد موحدة على الجميع، فماذا عن الدول النامية أو الساعية إلى بناء قدراتها، واحتياجاتها تختلف عن احتياجات الدول التي سبقتها تقنيًا؟ هل العدالة أن تُطبق القيود نفسها على الجميع، أم أن تُمنح الدول مساحات مختلفة للتطور؟ وخلصت إلى أننا نحتاج إلى تعاون دولي، لكن ليس على حساب السيادة والمرونة الوطنية.

خاتمة: نحو حوكمة متوازنة

كشفت طاولة النقاش عن تنوع في الرؤى، لكنها كشفت أيضًا عن مساحات اتفاق واضحة. فقد تباينت الآراء حول مدى خطورة الذكاء الاصطناعي ومقارنته بالسلاح النووي، غير أن معظم المشاركين اتفقوا على أن الحل لا يكمن في إيقاف التقنية، بل في تنظيم استخداماتها الخطرة. كما اتفقوا على أن الشركات شريك لا غنى عن خبرته، لكنها لا ينبغي أن تكون المشرّع والرقيب على نفسها، وأن سلطة القرار يجب أن تبقى بيد الدول. أما سعوديًا وخليجيًا، فقد مال النقاش إلى تعاون دولي منفتح على الجميع، مشروط بالحفاظ على السيادة والمرونة الوطنية، وبقواعد قابلة للتحديث تواكب تقنية لا تتوقف عن التطور.