لا تتحول الثقافة إلى اقتصاد لمجرد أنها جميلة أو عريقة. تبدأ القيمة عندما يتحول العنصر الثقافي إلى منتج أو تجربة أو محتوى يجد من يشتريه، ثم إلى دخل ووظائف ومنشآت واستثمار. من الحرفة والأزياء إلى المواقع التراثية والأفلام والملكية الفكرية، تقرأ «يمامة إنسايتس» كيف يمكن للهوية السعودية أن تدخل دورة اقتصادية من دون أن تفقد معناها الثقافي.

قطعة سدو معلقة على جدار منزل قد تكون تراثًا.

التصميم نفسه حين يدخل في حقيبة أو قطعة أثاث أو هوية بصرية يصبح منتجًا.

وإذا امتلك المنتج جودة وتصميمًا وعلامة وقناة بيع، وأصبح المستهلك مستعدًا لدفع ثمنه، تبدأ قصة أخرى مختلفة: القيمة الاقتصادية للهوية.

وهذه الفكرة لا تعني وضع سعر على الثقافة، ولا اختزال الموروث في المال.

السؤال أبسط من ذلك وأعمق:

كيف يمكن لشيء ورثناه ثقافيًا أن ينتج دخلًا ووظائف ومنشآت واستثمارًا؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه تقرير «القيمة الاقتصادية للهوية السعودية»، الإصدار الخاص من «يمامة إنسايتس» بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.

أولًا: ما الاقتصاد الثقافي؟

عندما نتحدث عن «الاقتصاد الثقافي»، فإن المقصود الأنشطة الاقتصادية التي تنشأ حول الثقافة والإبداع والمعرفة.

المصمم الذي يستلهم السدو، والحرفية التي تنتج قطعة تقليدية، والفيلم الذي يحكي قصة محلية، والموقع التراثي الذي يستقبل الزوار، والعلامة التجارية التي توظف عنصرًا ثقافيًا أصيلًا؛ كلها أمثلة يمكن أن تجمع بين الثقافة والنشاط الاقتصادي.

لكن وجود العنصر الثقافي لا يصنع اقتصادًا تلقائيًا.

هناك مسار يجب أن يقطعه:

هوية ثقافية → منتج أو تجربة → طلب وإنفاق → قيمة اقتصادية.

وقد تتوقف الرحلة عند أي مرحلة.

فقد نمتلك عنصرًا تراثيًا ثريًا لا يجد تصميمًا معاصرًا، أو منتجًا جيدًا لا يمتلك قناة توزيع، أو فكرة مبتكرة لا تحظى بحماية للملكية الفكرية.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك التراث وبناء اقتصاد حوله.

قبل حساب القيمة.. ماذا نملك؟

بدأ التقرير من المخزون نفسه.

بلغ عدد المواقع الأثرية المسجلة في السجل الوطني للآثار 14,164 موقعًا حتى أغسطس 2026.

وعلى مستوى التراث الثقافي غير المادي، تضم القائمة التمثيلية لليونسكو 16 عنصرًا مرتبطًا بالمملكة، منها عناصر سعودية منفردة وأخرى مشتركة مع دول أخرى.

لماذا يهم هذا اقتصاديًا؟

لأن التوثيق هو الخطوة الأولى لتحويل المعرفة المتوارثة إلى أصل يمكن حفظه وتطويره والبناء عليه.

لكن التقرير يلفت إلى فجوة مهمة: في مقابل أكثر من 14 ألف موقع مسجل، هناك 232 موقعًا تراثيًا قابلًا للزيارة بحسب البيانات الواردة فيه.

وهنا تبدأ المساحة الاقتصادية الحقيقية: المسافة بين ما نملكه وما استطعنا تحويله إلى تجربة قابلة للاستخدام والزيارة.

الحرفة: عندما تتحول المهارة الموروثة إلى نشاط

الحرفة مثال واضح.

قد تتوارث أسرة حرفة عبر أجيال، لكن ذلك وحده لا يجعلها نشاطًا اقتصاديًا منظمًا.

عندما تدخل الحرفة في سجل رسمي، ويحصل صاحبها على ترخيص، ويتمكن من البيع والتعاقد والمشاركة في الأسواق والمعارض، تتغير طبيعتها الاقتصادية.

وبحسب البيانات التي تناولها التقرير، بلغ عدد المسجلين في السجل الوطني للحرفيين 9,972 حرفيًا وحرفية في 2025، فيما صدرت 5,508 تراخيص مزاولة.

واللافت أن النساء شكلن نحو 79% من المسجلين.

هنا يمكن للحرفة أن تؤدي وظيفتين في وقت واحد: المحافظة على مهارة ثقافية، وفتح قناة للدخل والعمل والمنشآت الصغيرة.

لكن التسجيل وحده لا يكفي.

الحرفي يحتاج إلى سوق.

فالمنتج الذي لا يصل إلى مشترٍ يظل نشاطًا محدودًا مهما كانت قيمته الثقافية مرتفعة.

الأزياء: عندما يدخل التراث دورة الإنتاج

ربما يكون قطاع الأزياء المثال الأسهل لفهم الفكرة.

التصميم هنا لا يقف عند العنصر الجمالي.

هناك مصمم، وخامة، وتصنيع، وتسويق، وعلامة تجارية، ومتجر، ومستهلك.

أي أن الهوية تدخل دورة إنتاج كاملة.

وبحسب البيانات التي استند إليها التقرير، بلغ حجم سوق الأزياء السعودي نحو 36.8 مليار دولار في 2025، أو قرابة 138 مليار ريال.

وتظهر في الوقت نفسه عناصر محلية مثل القط العسيري والسدو في الأقمشة والأثاث والتغليف والتصميم والهويات المؤسسية.

وهنا تتكون قيمة لا تأتي من المادة وحدها.

قطعتان قد تستخدمان الخامة نفسها، لكن إحداهما تحمل قصة وتصميمًا وهوية يستطيع المستهلك التعرف إليها.

في الاقتصاد، يمكن لهذه القصة أن تصبح جزءًا من القيمة المضافة.

والقيمة المضافة ببساطة هي الزيادة في قيمة المنتج التي تأتي من التصميم أو الصناعة أو العلامة أو المعرفة، وليس من المادة الخام وحدها.

الموقع التراثي لا يبيع تذكرة فقط

من أسهل الأخطاء النظر إلى الموقع التراثي باعتباره مشروعًا اقتصاديًا يعتمد على سعر الدخول.

في الواقع، الزائر يبدأ سلسلة إنفاق أوسع.

قد يحتاج إلى فندق، ويأكل في مطعم، ويستخدم وسيلة نقل، ويشتري من متجر، ويحمل معه منتجًا محليًا أو حرفيًا.

ولهذا فإن قيمة الموقع قد تظهر في الأنشطة المحيطة به أكثر مما تظهر في شباك التذاكر نفسه.

وبحسب التقرير، استقبلت مواقع التراث الوطني والعالمي في المملكة نحو 14.1 مليون زائر خلال 2025.

المعنى الاقتصادي هنا ليس أن كل زيارة تساوي مبلغًا محددًا، فالتقرير لا يقدم حسابًا مباشرًا لذلك.

المعنى أن تحويل الموقع من مكان محفوظ إلى تجربة مدارة يفتح حوله فرصًا للإنفاق والعمل والاستثمار المحلي.

وهذا هو الفرق بين «الأثر» و«الوجهة».

ماذا يحدث عندما تصبح الهوية قصة على شاشة؟

للمحتوى خاصية مختلفة عن المنتج المادي.

القطعة الحرفية تُصنع ثم تباع لمشترٍ واحد.

أما الفيلم، فيمكن عرضه آلاف المرات من دون أن يستهلك الأصل.

وفي عام 2025 بلغت إيرادات شباك التذاكر السينمائي في المملكة نحو 920.8 مليون ريال من 18.8 مليون تذكرة.

لكن الرقم اللافت يتعلق بالإنتاج المحلي.

فمن أصل 538 فيلمًا معروضًا خلال العام، كان هناك 11 فيلمًا سعوديًا فقط؛ أي نحو 2% من عدد الأفلام.

ومع ذلك حققت هذه الأفلام 122.6 مليون ريال، أو نحو 13.3% من إيرادات شباك التذاكر.

الأرقام وحدها لا تفسر سبب هذا الأداء، لكنها تثبت شيئًا مهمًا: هناك طلب تجاري قابل للقياس على الإنتاج السينمائي السعودي.

وهذه نقطة جوهرية عندما تتحول الهوية من شيء يُعرض إلى قصة تُستهلك اقتصاديًا.

ولماذا تدخل الملكية الفكرية في الموضوع؟

لأن المنتج الثقافي يمكن تقليده.

أما إذا تحول التصميم أو القصة أو العلامة أو المصنف إلى ملكية فكرية مسجلة، يصبح من الممكن حمايته وإعادة استخدامه وترخيصه.

والترخيص يعني أن صاحب الحق يسمح للآخرين باستخدام الأصل وفق شروط محددة، مقابل قيمة مالية أحيانًا.

هذه الفكرة هي التي تسمح لمنتج إبداعي واحد بأن يعمل اقتصاديًا أكثر من مرة.

وفي عام 2025 ارتفعت طلبات التسجيل الاختياري لمصنفات حق المؤلف في المملكة بنسبة 87%، بحسب البيانات الواردة في التقرير، إلى جانب نمو براءات الاختراع والتصاميم الصناعية والعلامات التجارية.

لكن التسجيل في حد ذاته ليس الإيراد.

إنه فقط يجعل الأصل قابلًا للحماية والاستثمار والترخيص.

أما القيمة الاقتصادية فتظهر عندما يجد هذا الأصل طريقه إلى المنتجات والأسواق.

إذن.. متى تصبح الهوية اقتصادًا؟

يخلص التقرير إلى ستة شروط مترابطة:

التصميم، الجودة، الإنتاج، التسويق، حماية الملكية الفكرية، والوصول إلى السوق.

ويمكن فهمها من خلال مثال بسيط.

لديك نقش تراثي جميل.

إذا لم تحوله إلى تصميم مناسب لمنتج معاصر، تتوقف الرحلة عند التراث.

وإذا صممته ولم تكن الجودة جيدة، لن ينافس.

وإذا كانت الجودة ممتازة لكنك لا تستطيع إنتاج الكمية المطلوبة، فلن يصبح صناعة.

وإذا أنتجته ولم يعرف به أحد، يفشل التسويق.

وإذا نجح ولم تحمه، قد تنتقل قيمته إلى من يقلده.

وإذا اجتزت كل ذلك من دون قنوات بيع وتوزيع، يصبح لديك مخزون بدل أن يكون لديك دخل.

لهذا لا توجد لحظة سحرية تتحول فيها الثقافة إلى اقتصاد.

إنها سلسلة.

هل يعني ذلك أن كل تراث يجب أن يصبح منتجًا؟

لا.

ليست القيمة الاقتصادية المعيار الوحيد لقيمة الثقافة.

هناك عناصر تستحق الحفظ لأنها تحمل معنى تاريخيًا أو اجتماعيًا أو إنسانيًا حتى لو لم تحقق ريالًا واحدًا.

لكن عندما نقرر تحويل أحد هذه العناصر إلى نشاط اقتصادي، يصبح السؤال مختلفًا:

هل صممناه جيدًا؟

هل حافظنا على أصالته؟

هل أنتجناه بجودة؟

هل حمينا حقوق أصحابه؟

وهل وصل إلى سوق مستعد للدفع؟

هنا يبدأ الاقتصاد.

من «عزنا بطبعنا» إلى سؤال اقتصادي

يحمل اليوم الوطني السعودي الـ96 شعار «عزنا بطبعنا».

ومن زاوية اقتصادية، يمكن قراءة «طبعنا» ليس فقط بوصفه ما يميز المجتمع، بل بوصفه أيضًا مخزونًا من القصص والحرف والتصاميم والتجارب التي يمكن أن تنتج قيمة إذا أُحسن تطويرها.

فالهوية لا تصبح أقوى حين تتحول إلى سلعة.

لكن الاقتصاد يصبح أكثر تميزًا حين يستطيع إنتاج أشياء لا يستطيع الآخرون نسخ قصتها بسهولة.

وهذه ربما أهم فكرة في التقرير:

الفارق بين ثقافة غنية واقتصاد ثقافي قوي ليس مقدار ما نملكه من تراث وحده، بل قدرتنا على تحويل ما يمكن تحويله منه إلى منتج وتجربة ومحتوى وأصل، مع الحفاظ على معناه وأصالته.

عن التقرير

أعد تقرير «القيمة الاقتصادية للهوية السعودية» الطالبتان ريماس المشعلي @Rimas Almashali وغادة الوعلان @Ghadah Alwallan من جامعة اليمامة بمدينة الرياض، بإشراف المحلل المالي والاقتصادي حمد السعيد @Hamad Alsaeed، ضمن أعمال «يمامة إنسايتس» بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.

ويتناول التقرير خمسة مسارات للقيمة الاقتصادية للهوية: الحرف والصناعات اليدوية، والأزياء والتصميم، والمواقع التراثية، وصناعة الأفلام، والملكية الفكرية، اعتمادًا على بيانات رسمية منشورة حتى سبتمبر 2026.

اقرأ وحمّل التقرير الكامل: «القيمة الاقتصادية للهوية السعودية — كيف تتحول الثقافة والتراث والرموز إلى منتجات وتجارب ووظائف واستثمار؟»
القيمة الاقتصادية للهوية السعودية
The-Economic-Value-of-Saudi-Identity-96th-Saudi-National-Day