أمضى موظف عامًا كاملًا ينجز مهامه في مواعيدها، ويلتزم بتعليمات مديره، ويعتقد أنه يؤدي عمله على الوجه المطلوب. لكن المفاجأة جاءت مع التقييم السنوي: أداؤه أقل من التوقعات. وحين سأل عن السبب، كانت الإجابة أنه بحاجة إلى إظهار مزيد من المبادرة.
المشكلة أن أحدًا لم يوضح له منذ البداية ما المقصود بالمبادرة، أو كيف ستُقاس، أو ما الذي كان عليه فعله للحصول على تقييم أفضل.
هذا الموقف الافتراضي يكشف مشكلة إدارية قد لا تتعلق بمستوى أداء الموظف بقدر ما تتعلق بالطريقة التي تحدد بها المؤسسة معايير النجاح.
عندما تختلف معاني الأداء الجيد
في إدارة الموارد البشرية، لا يبدأ تقييم الأداء (Performance Appraisal) عند نهاية العام، وإنما منذ اللحظة التي يتفق فيها المدير والموظف على طبيعة العمل والنتائج المتوقعة منه.
وتوضح المفاهيم الأكاديمية التي تناولها @Dr. Prasad Varanasi في مقرر إدارة الموارد البشرية بجامعة اليمامة أن عملية تقييم الأداء تقوم على ثلاث مراحل: تحديد معايير العمل، وقياس الأداء الفعلي مقارنة بها، ثم تقديم الملاحظات التي تساعد الموظف على معالجة جوانب القصور أو تعزيز نقاط القوة.
لكن هذه العملية تصبح أقل موثوقية عندما تكون المعايير نفسها قابلة لتفسيرات مختلفة.
فقد يطلب مدير من موظفيه التحلي بـ«روح المبادرة»، ويقصد بذلك اقتراح حلول جديدة للمشكلات. بينما يرى مدير آخر أن المبادرة تعني إنجاز أعمال إضافية دون تكليف مباشر. وفي الحالتين، قد يحصل الموظف على تقييم منخفض رغم اعتقاده أنه استوفى المطلوب منه.
تُعرف هذه المشكلة في تقييم الأداء بغموض المعايير (Unclear Standards)، وتظهر عندما تكون الأوصاف المستخدمة في التقييم عامة إلى درجة تسمح للمقيّمين بتفسيرها بطرق مختلفة.
هل يمكن قياس الاحترافية؟
لنفترض أن شركة سعودية تضم فريقًا مسؤولًا عن إعداد التقارير المالية. ويُطلب من الموظفين تقديم عمل يتسم بالدقة والاحترافية، دون تحديد واضح لما تعنيه هاتان الصفتان.
قد يعتبر أحد المديرين أن التقرير الاحترافي هو الأكثر تفصيلًا، بينما يفضّل آخر التقارير المختصرة التي تركز على النتائج. وهكذا يصبح الحكم على جودة العمل مرتبطًا بتفضيلات المدير، لا بمعيار متفق عليه.
أما إذا حددت الشركة مسبقًا أن التقييم سيعتمد على دقة البيانات، والالتزام بالمواعيد، واكتمال المعلومات المطلوبة، فإن مساحة الاختلاف في تفسير الأداء تتقلص.
ولا يعني ذلك أن جميع الوظائف يمكن اختزالها في مؤشرات رقمية. فهناك أعمال تعتمد على التفكير الإبداعي أو جودة التحليل أو القدرة على التعامل مع المواقف المعقدة. لكن يمكن للمؤسسة توضيح السلوكيات والنتائج التي تعكس الأداء الجيد في هذه المجالات، بدل الاكتفاء بأوصاف فضفاضة.
وتزداد أهمية وضوح المعايير عندما تستخدم نتائج التقييم لاتخاذ قرارات تتعلق بالمكافآت والترقيات والتطوير المهني. فالتقييم الذي لا يستطيع المدير تفسير أسبابه بصورة واضحة قد يؤثر في مستقبل الموظف، حتى لو كانت المؤسسة تستخدم نظامًا إلكترونيًا متقدمًا لإجرائه.
فالتقنية تستطيع تنظيم البيانات وتسريع إجراءات التقييم، لكنها لا تعالج بمفردها مشكلة المعايير غير الواضحة.
وفي النهاية، لا يكفي أن يعرف الموظف المهام المطلوبة منه، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة المستوى الذي يُعد عنده أداؤه جيدًا أو متميزًا.
ولهذا، قبل أن تسأل المؤسسة لماذا لم يحقق الموظف التوقعات، ربما يجدر بها أن تسأل سؤالًا أبسط: هل أوضحنا له هذه التوقعات منذ البداية؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!