تخيل شركة سعودية تستعد لإطلاق منتج جديد في سوق لم يسبق لها العمل فيه. لا تمتلك الشركة سجلًا للمبيعات في تلك الدولة، ولا تعرف مدى سرعة إقبال المستهلكين على المنتج. لكنها تملك معلومات تفصيلية عن تجربة المنتج نفسه في دولة أخرى، دخلها قبل عدة سنوات.

هل تستطيع الشركة استخدام تلك التجربة لمعرفة ما قد يحدث في السوق الجديدة؟

قد تبدو الإجابة بسيطة: إذا نجح المنتج في دولة، فمن المحتمل أن ينجح في أخرى. لكن التنبؤ الاقتصادي يتطلب أكثر من افتراض تكرار النجاح؛ إذ ينبغي فهم كيفية تطور الطلب بمرور الوقت، ومدى تشابه الظروف التي صنعت ذلك الطلب.

وهنا تظهر أهمية النظر إلى الأسواق الأخرى بوصفها مصدرًا للمعلومات، وليس مجرد وجهات للبيع.

عندما يكشف الماضي عن مستقبل سوق أخرى

من الأساليب التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، تحليل السبق والتأخر (Lead-Lag Analysis)، وهو أسلوب للتنبؤ يعتمد على دراسة تطور الطلب في سوق سبقت سوقًا أخرى في تبني منتج معين.

تقوم الفكرة على أن بعض الأسواق قد تمر بمراحل متشابهة من تطور الطلب، ولكن في أوقات مختلفة. ولذلك، يمكن الاستفادة من البيانات التاريخية للسوق المتقدمة زمنيًا لتقدير المسار المحتمل للسوق التي تأتي بعدها.

لنفترض، على سبيل المثال، أن شركة متخصصة في الأجهزة المنزلية الذكية بدأت بيع أحد منتجاتها في دولة قبل خمس سنوات، ثم قررت دخول سوق جديدة تشهد ظروفًا استهلاكية مشابهة.

بدلًا من الاكتفاء بأرقام المبيعات الحالية، تستطيع الشركة دراسة كيفية تطور الطلب في السوق الأولى: متى بدأ المستهلكون تبني المنتج؟ وكم استغرق انتشاره؟ وهل تسارعت المبيعات تدريجيًا أم شهدت نموًا مفاجئًا؟

بعد ذلك، يمكن استخدام هذه البيانات لبناء تصور عن المسار المحتمل للمبيعات في السوق الجديدة، مع مراعاة الفارق الزمني بين السوقين.

والفرق هنا أن الشركة لا تحاول حساب عدد المشترين المحتملين فقط، بل تسعى إلى تقدير كيفية تغير المبيعات خلال السنوات المقبلة.

متى تصبح المقارنة مضللة؟

تكمن المشكلة في أن تشابه الأسواق لا يعني تطابقها.

فقد ينتشر المنتج بسرعة في دولة تتمتع ببنية تحتية متقدمة ودخل مرتفع، بينما يحتاج إلى وقت أطول في دولة أخرى تختلف فيها القدرة الشرائية أو عادات المستهلكين أو قنوات التوزيع.

كذلك، قد تتغير الظروف الاقتصادية والتقنية بين الفترتين اللتين تجري مقارنتهما. فالمنتج الذي احتاج إلى سنوات لتحقيق انتشار واسع في الماضي، قد ينتشر بسرعة أكبر اليوم نتيجة تطور التجارة الإلكترونية أو تغير سلوك المستهلكين.

ولهذا، يعتمد تحليل السبق والتأخر على افتراض مهم: أن العلاقة بين تطور الطلب في السوقين ستظل متشابهة بدرجة تسمح بالمقارنة. وإذا لم يتحقق هذا الافتراض، فقد تقود البيانات التاريخية إلى توقعات غير دقيقة.

ماذا تعني هذه الطريقة للشركات السعودية؟

بالنسبة إلى شركة سعودية تخطط للتوسع خارج المملكة، قد تساعدها تجربة الأسواق التي سبقتها في تبني منتج مشابه على تحديد توقيت دخول السوق، وتقدير احتياجات المخزون، ووضع أهداف مبيعات أكثر واقعية.

لكن استخدام التجارب الأجنبية لا يغني عن دراسة السوق المستهدفة. فالتنبؤ الجيد لا يقوم على نقل أرقام دولة إلى أخرى، وإنما على اختبار مدى تشابه العوامل التي تحرك الطلب فيهما.

وتشير الدراسات المتعلقة بانتشار المنتجات دوليًا إلى أن انتقال المعرفة بين المستهلكين في الدول المختلفة قد يؤثر أيضًا في سرعة تبني المنتجات، وهو ما يجعل العلاقة بين الأسواق أكثر تعقيدًا من مجرد وجود فارق زمني ثابت.

وبذلك، لا تقدم تجربة السوق الأجنبية صورة مؤكدة عما سيحدث مستقبلًا، لكنها تمنح الشركة نقطة انطلاق لبناء توقعات يمكن اختبارها وتعديلها قبل اتخاذ قرارات استثمارية مكلفة.

المرجع العلمي:

https://doi.org/10.1287/mksc.21.3.318.139