قد تمتلك دولة مليارات الدولارات لبناء مصانع متطورة، وتستقطب المهندسين والخبراء، وتوفر البنية التحتية اللازمة للإنتاج. لكنها قد تكتشف أن نجاح مشروعها الصناعي يعتمد على آلة لا تستطيع تصنيعها بنفسها، ولا يمكنها شراؤها إلا من مورد واحد.

هذه ليست فرضية بعيدة عن الواقع، بل معضلة تواجه صناعة أشباه الموصلات، التي تدخل رقائقها الإلكترونية في الهواتف والسيارات ومراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

فخلف هذه الصناعة العالمية شبكة شديدة التعقيد من الشركات المتخصصة. وبينما تتنافس الدول على استقطاب مصانع الرقائق، تمتلك شركات أقل شهرة تقنيات يصعب الاستغناء عنها.

وهنا يظهر سؤال اقتصادي مهم: كيف يمكن لتقنية واحدة أن تصبح عنصرًا حاسمًا في صناعة عالمية بأكملها؟

آلة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة

من الموضوعات التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور@Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، اعتماد صناعة أشباه الموصلات على موردين متخصصين يمتلكون تقنيات بالغة التعقيد.

وتبرز في هذا السياق شركة ASML الهولندية، المتخصصة في تصنيع المعدات المستخدمة لإنتاج الرقائق الإلكترونية، والتي تنفرد بتوريد أنظمة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (Extreme Ultraviolet Lithography – EUV).

وتستخدم هذه الأنظمة الضوء لرسم أنماط بالغة الدقة على رقائق السيليكون، بما يتيح إنتاج بعض أكثر المعالجات الإلكترونية تقدمًا.

لكن ASML نفسها تعتمد على شركات أخرى لتوفير مكونات أساسية، من بينها شركة كارل زايس الألمانية (Carl Zeiss SMT)، المتخصصة في تصنيع الأنظمة البصرية الدقيقة التي تحتاج إليها هذه المعدات.

وهذا يعني أن امتلاك القدرة المالية لبناء مصنع للرقائق لا يكفي بالضرورة لتشغيله. فالمصنع يحتاج أيضًا إلى معدات وتقنيات ومكونات لا تتوافر بسهولة لدى موردين بديلين.

عندما تتحول الميزة التقنية إلى نقطة اختناق

توضح هذه الحالة مفهوم اختناقات سلاسل الإمداد (Supply Chain Bottlenecks)، وهي المراحل التي يؤدي تعطلها أو محدودية طاقتها الإنتاجية إلى إبطاء بقية الأنشطة المرتبطة بها.

فإذا احتاج مصنع متقدم إلى معدات لا ينتجها سوى مورد واحد، فإن قدرته على التوسع تصبح مرتبطة بالطاقة الإنتاجية لذلك المورد، حتى لو امتلك التمويل والأراضي والعمالة اللازمة.

وتختلف هذه المشكلة عن نقص المواد الخام التقليدية؛ إذ لا يمكن تعويض بعض المعدات المتقدمة بمجرد البحث عن مورد أرخص. فتطوير البدائل قد يتطلب سنوات من البحث والاختبارات والاستثمارات الضخمة.

وتمنح هذه الندرة الشركات المتخصصة أهمية اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حجمها مقارنة بالشركات التي تبيع المنتجات النهائية.

لكنها تخلق في المقابل مخاطر للصناعة بأكملها؛ فتعطل أحد الموردين المتخصصين قد يؤثر في خطط التوسع والإنتاج لدى عدد كبير من الشركات.

ماذا تعني هذه التجربة للصناعات السعودية؟

تقدم صناعة الرقائق درسًا مهمًا للدول التي تسعى إلى تطوير صناعات تقنية متقدمة، ومنها المملكة العربية السعودية.

فبناء القدرات الصناعية لا يتوقف عند إنشاء المصانع أو استقطاب الشركات العالمية، بل يشمل فهم التقنيات الأساسية التي تعتمد عليها الصناعة، وتحديد الموردين الذين يصعب الاستغناء عنهم، وتطوير شراكات طويلة الأجل تضمن الوصول إلى المعرفة والمعدات المتخصصة.

كما تكشف التجربة أن الفرص الصناعية لا تقتصر على تصنيع المنتج النهائي. فقد تتمكن شركة متخصصة في مكون دقيق أو تقنية محددة من اكتساب أهمية عالمية، حتى لو لم يظهر اسمها على المنتج الذي يصل إلى المستهلك.

ولهذا، فإن السؤال عند تطوير صناعة جديدة لا يتعلق فقط بما تستطيع الدولة إنتاجه، بل أيضًا بالتقنيات التي تحتاج إليها، ومدى قدرتها على الوصول إليها، والأنشطة المتخصصة التي يمكنها بناء ميزة تنافسية فيها.

المرجع العلمي:

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/00207543.2026.2711894