تخيل مديرًا يعمل في فرع لشركة عالمية، اكتشف فرصة لتطوير منتج يناسب احتياجات المستهلكين في سوقه. يمتلك المعرفة المحلية، لكنه يحتاج إلى موافقة المقر الرئيسي، والتنسيق مع فرق البحث والتطوير والإنتاج في دول أخرى.
إذا احتفظ المقر الرئيسي بجميع القرارات، فقد تتأخر الاستجابة. وإذا منح كل فرع استقلالية كاملة، فقد تجد الشركة نفسها تدير عشرات العمليات المتشابهة بتكاليف مرتفعة.
هذه المعضلة التنظيمية تواجه الشركات متعددة الجنسيات: كيف تستفيد من حجمها العالمي دون أن تتحول الإدارة المركزية إلى عائق أمام الابتكار المحلي؟
شركة عالمية بعقل مشترك وقرارات موزعة
من المفاهيم الأكاديمية التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، الاستراتيجية العابرة للحدود (Transnational Strategy)، وهي استراتيجية تجمع بين تحقيق الكفاءة على المستوى العالمي والاستجابة لاحتياجات الأسواق المحلية.
وقد تناول الباحثان كريستوفر بارتليت وسومانترا غوشال هذا المفهوم في كتابهما الصادر عام 1989، موضحين أهمية بناء مؤسسات عالمية تستطيع تنسيق مواردها وتطوير قدراتها عبر الحدود، دون حصر المعرفة والقرارات في المقر الرئيسي وحده.
وتقدم يونيليفر (Unilever)، كما ورد في المادة الأكاديمية، حالة تطبيقية لفهم هذا النموذج؛ إذ تقوم الفكرة على الاستفادة من الوظائف المشتركة، مثل البحث والتطوير والتمويل، مع إتاحة المرونة للوحدات المحلية في التعامل مع متطلبات أسواقها.
فالهدف ليس تكرار الهيكل الإداري نفسه في كل دولة، وإنما تحديد الأنشطة التي تستفيد من الإدارة المشتركة، وتلك التي تتطلب قرارات أقرب إلى المستهلك.
عندما تتحرك المعرفة في الاتجاهين
تكمن أهمية هذا النموذج في أن الفروع الخارجية لا تقتصر وظيفتها على تنفيذ تعليمات المقر الرئيسي؛ فقد تتحول إلى مصادر للأفكار والخبرات التي تستفيد منها الشركة بأكملها.
فإذا طور أحد الفروع طريقة إنتاج أكثر كفاءة، أو اكتشف حلًا تشغيليًا مناسبًا، يمكن نقل هذه المعرفة إلى وحدات أخرى. وهكذا تتحول الشركة من مجموعة فروع منفصلة إلى شبكة تتبادل الخبرات والموارد.
لكن تحقيق ذلك ليس سهلًا؛ إذ يتطلب وضوح الصلاحيات، وتنسيقًا بين الإدارات، وأنظمة تسمح بتبادل المعرفة دون إبطاء القرارات اليومية.
وتبرز أهمية هذا المفهوم للشركات السعودية التي تتوسع خارج المملكة، خصوصًا عندما تتعدد أسواقها وفرقها التشغيلية. فالتوسع لا يتطلب افتتاح فروع جديدة فحسب، بل بناء نظام إداري يحدد ما يجب إدارته مركزيًا، وما يمكن تفويضه محليًا، وكيف تستفيد جميع الفروع من الخبرات المكتسبة.
فالقيمة الحقيقية للشركة العالمية لا تكمن في عدد الدول التي تعمل فيها، بل في قدرتها على جعل المعرفة والخبرة تنتقل بين تلك الدول، دون أن تفقد كل سوق مرونتها في اتخاذ القرار.
المرجع العلمي:
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!