قد تحقق شركة سعودية نجاحًا كبيرًا في سوقها المحلية، فتقرر التوسع خارج المملكة، معتمدة على المنتج نفسه والخبرة التشغيلية التي صنعت نجاحها. لكنها قد تكتشف أن المستهلكين في السوق الجديدة لا يتفاعلون مع منتجاتها بالطريقة المتوقعة، وأن تكاليف التوزيع والتشغيل تختلف عما اعتادت عليه.

فلماذا لا تستطيع بعض الشركات تكرار نجاحها عندما تعبر الحدود؟

الإجابة لا ترتبط دائمًا بجودة المنتج أو حجم الاستثمار، بل بمدى فهم الشركة للاختلافات بين الأسواق.

المسافة بين الدول ليست جغرافية فقط

من المفاهيم الأكاديمية التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، نموذج المسافة بين الدول (CAGE Framework)، الذي يساعد الشركات على تقييم الاختلافات المؤثرة في قرارات التوسع الدولي.

قدّم الباحث بانكاج غيماوات (Pankaj Ghemawat) هذا الإطار في مقاله المنشور عام 2001 في Harvard Business Review، موضحًا أن المسافة بين الأسواق تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل أربعة أبعاد رئيسية.

تتمثل هذه الأبعاد في المسافة الثقافية، مثل اختلاف اللغة والعادات والتفضيلات الاستهلاكية؛ والمسافة الإدارية، التي تشمل الأنظمة والتشريعات والعلاقات التجارية؛ والمسافة الجغرافية، بما تتضمنه من تكاليف النقل والبنية التحتية؛ وأخيرًا المسافة الاقتصادية، المرتبطة باختلاف مستويات الدخل والقدرة الشرائية والموارد.

وتختلف أهمية هذه العوامل باختلاف نشاط الشركة. فاختلاف الأذواق قد يمثل تحديًا لشركة غذائية، بينما تكون تكاليف النقل أكثر تأثيرًا في شركة تبيع منتجات ثقيلة.

السوق الأكبر ليست دائمًا الفرصة الأفضل

لنفترض أن شركة سعودية للمنتجات الغذائية تدرس التوسع في سوقين أجنبيتين. تضم الأولى عددًا أكبر من السكان، لكنها تتطلب تعديلات واسعة على المنتجات، وإنشاء شبكة توزيع جديدة. أما الثانية، فهي أصغر حجمًا، لكن تفضيلات المستهلكين فيها أقرب إلى السوق السعودية، وتتوفر فيها قنوات توزيع مناسبة.

قد تبدو السوق الأولى أكثر جاذبية عند النظر إلى عدد السكان وحده. لكن بعد احتساب تكاليف التكيف والتشغيل، قد تحقق السوق الثانية عائدًا أفضل.

وهنا تظهر أهمية نموذج CAGE؛ فهو لا يحدد للشركة السوق التي ينبغي دخولها، وإنما يساعدها على اكتشاف التكاليف والمخاطر التي قد تخفيها المؤشرات الاقتصادية العامة.

وبالنسبة إلى الشركات السعودية الطامحة للتوسع عالميًا، فإن نجاحها محليًا يمثل نقطة انطلاق، لكنه لا يضمن تكرار التجربة في الخارج. فالقرار لا يتعلق فقط بحجم السوق الجديدة، بل بقدرة الشركة على فهم اختلافاتها والتكيف معها دون فقدان ميزتها التنافسية.

فالسؤال الذي يسبق التوسع ليس أين يوجد أكبر عدد من المستهلكين؟ بل في أي سوق نستطيع تحويل الفرصة إلى نجاح تجاري؟

المرجع النظري:

Pankaj Ghemawat, “Distance Still Matters: The Hard Reality of Global Expansion,” Harvard Business Review, September 2001.

Harvard Business Review