قد يشتري مستهلك في السعودية منتجًا غذائيًا من علامة تجارية عالمية اعتاد مذاقه، ثم يسافر إلى دولة أخرى ليكتشف أن المنتج الذي يحمل الاسم نفسه يختلف في نكهته أو مكوناته أو حتى حجم عبواته.
هذا الاختلاف ليس بالضرورة نتيجة تفاوت في معايير التصنيع، بل قد يكون قرارًا تجاريًا مقصودًا. فالشركات الغذائية العالمية لا تتعامل مع سوق استهلاكية واحدة، وإنما مع مجتمعات تختلف في أذواقها وعاداتها الغذائية وثقافاتها وقدرتها الشرائية.
وتقدم شركة نستله (Nestlé)، السويسرية المتخصصة في الأغذية والمشروبات، مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ توضح الشركة أن منتجاتها قد تختلف بين الأسواق في التركيبة والوصفة والتغليف والعلامة التجارية، بما يراعي الأذواق والعادات والثقافات والقدرة الشرائية للمستهلكين، مع الالتزام بمتطلبات الجودة الخاصة بها.
لكن لماذا تتحمل شركة عالمية هذا التعقيد بدلًا من بيع المنتج نفسه للجميع؟
عندما يصبح الذوق المحلي قرارًا اقتصاديًا
من المفاهيم الأكاديمية التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، الاستراتيجية متعددة الأسواق المحلية (Multidomestic Strategy)، وهي نهج يمنح الأسواق المحلية مساحة أكبر لتكييف المنتجات والأنشطة التجارية بما يتناسب مع احتياجات المستهلكين في كل دولة.
وتساعد هذه الفكرة على فهم أحد التحديات الأساسية في الأعمال الدولية: قد تكون العلامة التجارية عالمية، لكن قرار الشراء يحدث داخل سوق محلية تتأثر بعادات المستهلكين وثقافتهم وظروفهم الاقتصادية.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في علامة «ماجي» (Maggi) التابعة لنستله. ففي تقريرها السنوي لعام 2025، تشير الشركة إلى أن العلامة موجودة في عدد من الأسواق حول العالم بمنتجات تراعي الأذواق المحلية. كما طورت نستله نطاقات خاصة ببعض الدول ضمن منتجات ماجي، بما يسمح بالاستفادة من علامة عالمية مع تكييف ما يقدَّم للمستهلك محليًا.
ولا يقتصر التكيف على النكهة وحدها؛ فقد تختلف الوصفات والمكونات وأحجام العبوات وطرق تقديم المنتج من سوق إلى أخرى.
التكيف المحلي ليس مجانيًا
قد يزيد تكييف المنتجات من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المستهلكين، لكنه يضيف في المقابل تعقيدًا إلى عمليات الشركة.
فتعدد الوصفات والعبوات قد يتطلب اختبارات إضافية، ومكونات مختلفة، وتغييرات في الإنتاج والتوريد والتسويق. وكلما زاد مستوى التكيف، أصبحت الشركة أمام مفاضلة اقتصادية بين الاستجابة للسوق والحفاظ على الكفاءة التشغيلية.
ولهذا، لا يعني التكيف المحلي تغيير كل شيء. فقد تحتفظ الشركة بعلامتها التجارية ومعايير الجودة وبعض عناصر الإنتاج، بينما تعدّل الخصائص الأكثر ارتباطًا بتفضيلات المستهلكين.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية للشركات الغذائية السعودية التي تتطلع إلى التوسع خارج المملكة. فالمنتج الذي يحقق نجاحًا محليًا قد لا يحتاج إلى إعادة تصميم كاملة عند دخوله سوقًا جديدة، لكنه قد يحتاج إلى تعديلات مدروسة تستند إلى أبحاث المستهلكين وطبيعة السوق، لا إلى افتراضات عامة عن أذواق الشعوب.
ففي الصناعات الغذائية، لا يكمن التحدي في إنتاج منتج عالمي فحسب، بل في معرفة أي عناصره يمكن أن تبقى ثابتة، وأيها ينبغي أن يتغير حتى يشعر المستهلك المحلي بأن المنتج يناسبه.
المرجع:
Nestlé. Are Nestlé products the same throughout the world?
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!