عندما يشتري المستهلك حذاءً رياضيًا يحمل شعار نايكي، فإنه يدفع مقابل منتج يرتبط في ذهنه بالتصميم والأداء والهوية التجارية. لكن المصنع الذي أنتج الحذاء قد لا يكون مملوكًا للشركة التي يظهر اسمها عليه.

تعتمد شركة نايكي الأمريكية، المتخصصة في الأحذية والملابس الرياضية، على مصانع متعاقدة لإنتاج معظم منتجاتها. ويكشف هذا النموذج عن تحول مهم في عالم الأعمال: لم يعد امتلاك المصنع شرطًا لامتلاك المنتج أو بناء علامة تجارية عالمية.

لكن لماذا تختار شركة كبيرة إسناد التصنيع إلى الآخرين بدلًا من تنفيذه بنفسها؟

ماذا تحتفظ الشركة لنفسها؟

من المفاهيم التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، قرار التصنيع أم الشراء (Make or Buy)، وهو المفاضلة بين تنفيذ نشاط معين داخل الشركة أو إسناده إلى مورد خارجي.

تساعد تجربة نايكي على فهم هذا القرار؛ فبدلًا من امتلاك شبكة ضخمة من المصانع، تعتمد الشركة على التصنيع التعاقدي (Contract Manufacturing)، أي الاتفاق مع شركات مستقلة لتصنيع منتجاتها وفق متطلباتها ومواصفاتها.

يتيح هذا النموذج للشركة تركيز مواردها على أنشطة أخرى، مثل تطوير المنتجات والتصميم والتسويق وإدارة علامتها التجارية، مع الاستفادة من الخبرات والقدرات الإنتاجية للمصنعين المتخصصين.

وهنا يظهر مفهوم سلاسل القيمة العالمية (Global Value Chains)، وهي شبكة من الأنشطة التي تتوزع بين شركات ودول مختلفة، بدءًا من تصميم المنتج وتوفير مواده، وصولًا إلى تصنيعه وتوزيعه وبيعه للمستهلك.

فالقيمة الاقتصادية للحذاء لا تتشكل داخل المصنع وحده؛ إذ تسهم مراحل التصميم والتطوير والتسويق والتوزيع أيضًا في تحديد قيمته النهائية.

هل الاستعانة بالمصانع الخارجية أقل تكلفة دائمًا؟

قد يسمح التصنيع التعاقدي للشركات بتجنب استثمارات ضخمة في إنشاء المصانع وتشغيلها، والاستفادة من موردين يمتلكون خبرة إنتاجية وقدرة على تصنيع كميات كبيرة.

لكن هذا النموذج لا يلغي التكاليف، بل يغير طبيعتها. فالشركة تحتاج إلى اختيار الموردين ومراقبة الجودة وإدارة العلاقات التعاقدية، والتأكد من قدرة المصانع على تلبية الطلب في المواعيد المحددة.

وتزداد حساسية هذه العلاقة عندما تتعلق بظروف العمل والالتزام بالمعايير البيئية وحقوق العمال. فرغم أن المصنع قد يكون مملوكًا لشركة مستقلة، فإن أي مخالفات مرتبطة بإنتاج السلع قد تؤثر في سمعة العلامة التجارية التي تبيعها.

ولهذا، فإن الاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing)، أي إسناد بعض أنشطة الشركة إلى جهات متخصصة، ليست مجرد وسيلة لخفض التكاليف، بل قرار يتطلب الموازنة بين الكفاءة والسيطرة والمخاطر.

وتبرز أهمية هذه المفاضلة للشركات السعودية التي تسعى إلى التوسع في الأسواق الدولية. فقد يكون من الأنسب لبعضها الاحتفاظ بالتصميم وتطوير المنتجات داخل المملكة، مع إسناد أنشطة إنتاجية محددة إلى مصانع متخصصة في الخارج. وفي حالات أخرى، قد يكون امتلاك المصنع ضروريًا لحماية المعرفة الفنية أو ضمان الجودة.

فالسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركة ليس ما إذا كانت قادرة على تصنيع كل شيء بنفسها، بل أي الأنشطة يجب أن تمتلكها حتى تحافظ على ميزتها التنافسية، وأيها تستطيع إسناده إلى الآخرين دون أن تفقد السيطرة على منتجاتها؟

المرجع العلمي:

https://www.pearson.com/en-gb/subject-catalog/p/international-business-the-new-realities-global-edition/P200000011563/9781292462547