قد يغادر هاتف ذكي أحد المصانع في فيتنام، ويحمل عبارة تشير إلى أنه صُنع هناك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة التي استضافت المصنع حصلت على النصيب الأكبر من قيمته الاقتصادية.
فبين تصميم المنتج وتطوير تقنياته وتصنيع مكوناته وتجميعه وتسويقه، تتوزع الأنشطة على شركات ودول مختلفة. وقد تستضيف دولة آلاف العمال ومصانع ضخمة، بينما تحتفظ دول أخرى بالأنشطة المرتبطة بالبحث والتطوير والتقنيات المتقدمة.
وهنا يظهر سؤال اقتصادي مهم: هل يكفي جذب المصانع العالمية لبناء اقتصاد صناعي متقدم، أم أن القيمة الحقيقية تكمن في نوع الأنشطة التي تنفذها الدولة داخل تلك المصانع؟
من استضافة المصانع إلى امتلاك المعرفة
من المفاهيم التي تناولتها مادة الأعمال الدولية لدى الدكتور @Stephen Rosenbaum في جامعة اليمامة، الارتقاء في سلاسل القيمة العالمية (Global Value Chain Upgrading)، أي تطوير قدرات الشركات والدول للانتقال إلى أنشطة إنتاجية أكثر تقدمًا، أو تنفيذ الأنشطة القائمة بكفاءة وقيمة إقتصادية أعلى.
وتساعد تجربة فيتنام على فهم هذه الفكرة؛ فقد أصبحت وجهة صناعية مهمة لشركات عالمية، من بينها سامسونج الكورية الجنوبية المتخصصة في الإلكترونيات، ونايكي الأمريكية المتخصصة في الأحذية والملابس الرياضية.
واستفادت البلاد من قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية والاندماج في شبكات الإنتاج الدولية، خصوصًا في الصناعات الإلكترونية والمنتجات الاستهلاكية.
لكن استضافة المصانع ليست سوى مرحلة من مراحل التطور الصناعي. فقد تتمكن دولة من تجميع المنتجات بكفاءة عالية، دون أن تمتلك بالضرورة التقنيات المستخدمة في تصنيع مكوناتها أو المعرفة اللازمة لتطويرها.
ولهذا، فإن ارتفاع الصادرات الصناعية لا يكشف وحده عن حجم القيمة الاقتصادية التي يحتفظ بها الاقتصاد المحلي.
كيف تنتقل الدول إلى أنشطة أعلى قيمة؟
لا يقتصر الارتقاء الصناعي على الانتقال من تجميع المنتجات إلى تصميمها؛ إذ يمكن أن يتحقق أيضًا من خلال تحسين عمليات الإنتاج، ورفع الجودة، وتطوير منتجات أكثر تعقيدًا، أو اكتساب القدرة على تنفيذ أنشطة جديدة.
فعندما تستقطب دولة مصنعًا عالميًا، قد تبدأ الفائدة بتوفير الوظائف وزيادة الصادرات. لكن الفرصة الأوسع تظهر عندما تتمكن الشركات المحلية من دخول شبكة الموردين، ويكتسب العاملون مهارات فنية وإدارية، وتنتقل بعض الأنشطة الهندسية والتقنية إلى داخل الاقتصاد.
ولا يحدث ذلك تلقائيًا؛ فالشركات العالمية قد تحتفظ بأنشطتها الأكثر تقدمًا في دول أخرى، خصوصًا عندما لا تتوافر المهارات أو البنية الصناعية اللازمة في الدولة المستضيفة.
ولهذا، يتطلب الانتقال إلى أنشطة أعلى قيمة الاستثمار في التعليم والتدريب والتقنية، إلى جانب تطوير الشركات المحلية القادرة على تلبية متطلبات الإنتاج العالمي.
ماذا يعني ذلك للصناعة السعودية؟
تكتسب هذه الفكرة أهمية في سياق التوسع الصناعي السعودي. فجذب الشركات العالمية وإنشاء المصانع يمكن أن يوفرا فرصًا للاستثمار والتوظيف، لكن الأثر الاقتصادي الأعمق يرتبط بقدرة المنشآت الوطنية على المشاركة في الإنتاج واكتساب المعرفة وتطوير منتجاتها.
فإذا استضافت المملكة مصنعًا عالميًا، فإن عدد الوظائف وحجم الإنتاج يمثلان جانبًا من العائد الاقتصادي. أما الجانب الآخر، فيتمثل في مدى استفادة الموردين المحليين، وتطور مهارات العاملين، وقدرة الشركات السعودية على تنفيذ أنشطة أكثر تقدمًا بمرور الوقت.
وهنا يتغير معيار النجاح الصناعي؛ فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد المصانع التي تنجح الدولة في استقطابها، بل أيضًا بمقدار القيمة والمعرفة والقدرات الإنتاجية التي تبقى داخل اقتصادها.
المرجع العلمي:
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!