قد يصل الراتب إلى الحساب البنكي في آخر الشهر، ويبدو للوهلة الأولى أن الشيء الوحيد الذي تغير هو الرقم.
10 آلاف ريال أصبحت 12 ألفًا.
لكن بعد أسابيع قليلة قد تكتشف أن شيئًا آخر تغير أيضًا: قائمة مشترياتك.
ربما لم تعد تشتري القهوة من المكان الأرخص كل يوم. ربما بدأت تطلب من مطاعم كنت تعتبرها غالية. وربما استبدلت بعض المنتجات بأخرى ذات جودة أعلى. وربما، على العكس، لم يتغير شيء تقريبًا.
وهنا يبدأ سؤال اقتصادي أكثر إثارة من سؤال: كم أصبح راتبك؟
السؤال هو:
ماذا يفعل ارتفاع دخلك بالطلب الذي تولده في السوق؟
الراتب ليس مجرد رقم
في شرح الدكتور @فائق العكايلة لمحددات الطلب ضمن مقرر الاقتصاد الإداري (ECO 506) في برنامج ماجستير إدارة الأعمال بجامعة اليمامة، يأتي دخل المستهلك وثروته ضمن العوامل التي يمكن أن تغير الطلب على السلع والخدمات.
والتمييز بين الاثنين مهم.
الدخل هو تدفق من الأموال التي يحصل عليها الشخص خلال فترة زمنية، مثل الراتب الشهري أو الدخل السنوي. أما الثروة فهي قيمة ما يمتلكه الشخص بعد طرح ما عليه من التزامات في وقت معين.
لكن بالنسبة للمستهلك العادي، هناك نتيجة مشتركة تهمنا أكثر:
كلما تحسنت قدرته المالية، قد تتغير الأشياء التي يستطيع ويرغب في شرائها.
وهنا لا نتحدث بالضرورة عن شراء المزيد من الشيء نفسه.
قد نكون أمام شيء مختلف تمامًا.
ماذا تفعل أول زيادة في الراتب؟
لنفترض أن شخصًا كان يتقاضى 10 آلاف ريال شهريًا، ثم ارتفع راتبه إلى 12 ألفًا.
لن نعرف من الرقم وحده ماذا سيحدث لطلبه.
قد يرفع إنفاقه على المطاعم.
وقد يبدأ بالسفر أكثر.
وقد يشتري سيارة أفضل.
وقد يزيد إنفاقه على الترفيه.
وقد يستخدم الزيادة لسداد التزاماته أو الادخار، فلا يظهر أثر كبير على بعض مشترياته أصلًا.
لذلك لا يقول الاقتصاد إن زيادة الدخل تؤدي دائمًا إلى زيادة كل أنواع السلع بالقدر نفسه.
بل يذهب إلى سؤال أدق:
ما نوع السلعة التي نتحدث عنها؟
ومن هنا يبدأ التمييز بين السلع العادية (Normal Goods) والسلع الدنيا (Inferior Goods).
عندما يرتفع دخلك.. بعض السلع تستفيد
السلعة العادية هي، وفق تعريف المادة، السلعة التي توجد علاقة موجبة بين دخل المستهلك والكمية المطلوبة منها؛ أي أنه مع ارتفاع الدخل، تزداد الكمية المطلوبة منها، مع ثبات العوامل الأخرى.
قد تكون هذه السلعة مطعمًا أفضل، أو منتجًا أعلى جودة، أو خدمة كان المستهلك يؤجلها عندما كان دخله أقل.
الفكرة ليست أن كل شخص سيتصرف بهذه الطريقة، وإنما أن العلاقة بين الدخل والطلب تكون موجبة في حالة السلع العادية.
ولهذا، إذا ارتفع دخل المستهلكين بينما بقيت بقية الظروف ثابتة، فإن منحنى الطلب على السلعة العادية يتحرك إلى الأمام، أي يرتفع الطلب عليها.
وهنا تظهر نقطة تستحق الانتباه:
زيادة الدخل لا تحرك المستهلك بالضرورة على منحنى الطلب نفسه؛ بل يمكن أن تحرك منحنى الطلب كله.
وهذا مختلف عن المقال الأول، عندما كان التغير ناتجًا عن تغير سعر السلعة نفسها.
لكن ماذا لو حدث العكس؟
هنا تصبح القصة أكثر إثارة.
هناك سلع قد يقل الطلب عليها عندما يرتفع دخل المستهلك.
قد يبدو الأمر غريبًا في البداية.
إذا أصبح الشخص أكثر قدرة على الإنفاق، لماذا يشتري أقل؟
لأن السلعة قد تكون بالنسبة إليه سلعة دنيا (Inferior Good).
في المادة، يعرّف الدكتور @فائق العكايلة السلعة الدنيا بأنها السلعة التي توجد علاقة سالبة بين دخل أو ثروة المستهلك وبين الطلب عليها؛ فمع تحسن دخل المستهلك قد يتراجع عن شراء هذه السلعة ويتجه إلى خيارات أخرى.
خذ مثالًا بسيطًا.
شخص كان يعتمد على خيار غذائي منخفض التكلفة لأنه يناسب ميزانيته.
بعد زيادة دخله، لم يعد مضطرًا إلى الاعتماد عليه بالقدر نفسه.
فيبدأ بشراء بدائل يراها أفضل أو أكثر ملاءمة.
المنتج لم يصبح أسوأ.
لكن وضع المستهلك تغير.
الفقر لا يحدد السلعة.. الدخل يغير الاختيار
من السهل أن نفهم "السلعة الدنيا" بطريقة خاطئة، وكأنها تعني منتجًا سيئًا أو منخفض الجودة.
ليس هذا هو المقصود.
التصنيف هنا اقتصادي وليس حكمًا على جودة المنتج.
السلعة تكون "دنيا" عندما تكون العلاقة بين دخل المستهلك والطلب عليها سالبة.
وهذا يعني أن زيادة الدخل قد تجعل المستهلك يطلب كمية أقل منها، بينما يؤدي انخفاض دخله إلى زيادة اعتماده عليها.
والسبب أن المستهلك عندما تتحسن قدرته الشرائية يستطيع أن يعيد ترتيب اختياراته.
تخيل سلة مشترياتك قبل الزيادة وبعدها
قبل زيادة الراتب، قد تكون سلة مشترياتك محسوبة بدقة.
منتجات معينة لأن سعرها مناسب.
علامات تجارية محددة لأن البدائل أغلى.
مطاعم معينة لأن ميزانيتك الشهرية لا تسمح بأكثر.
ثم ترتفع قدرتك المالية.
لا يعني ذلك أنك ستشتري كل شيء أكثر.
قد يحدث العكس: تشتري من بعض المنتجات أقل، لكنك تنفق أكثر على بدائل أخرى.
وهنا تكمن أهمية مفهوم الدخل كمحدد للطلب.
التغير في الدخل يمكن أن يغير تركيب سلة المستهلك، وليس فقط حجمها.
وهذه نقطة تساعد على فهم سلوك المستهلك بصورة أكثر واقعية من مجرد القول إن "الدخل ارتفع، إذن الاستهلاك سيرتفع".
وما علاقة ذلك بالسوق السعودي؟
يمكن رؤية الفكرة في تفاصيل الحياة اليومية.
موظف يحصل على ترقية لا يتعامل بالضرورة مع الزيادة باعتبارها مبلغًا إضافيًا يجب إنفاقه على المنتجات نفسها التي كان يشتريها قبل الترقية.
قد يغير الحي الذي يتسوق منه.
قد ينتقل إلى علامة تجارية أعلى سعرًا.
قد يزيد الإنفاق على السفر.
وقد يقلل في المقابل من اعتماده على بعض الخيارات منخفضة التكلفة.
وعندما تتكرر هذه التحولات لدى عدد كبير من المستهلكين، فإنها لا تبقى قرارات شخصية.
تتحول إلى تغير في الطلب داخل السوق.
وهذا هو السبب في أن الدخل يعد أحد أهم محددات الطلب.
الراتب والثروة ليسا الشيء نفسه
قد يبدو من الطبيعي أن نستخدم كلمتي "الدخل" و"الثروة" وكأنهما تعنيان الشيء نفسه.
لكن المادة تفرق بينهما بوضوح.
الدخل تدفق.
راتب هذا الشهر، أو إيرادات هذا العام.
أما الثروة فهي رصيد: قيمة ما يمتلكه الشخص مطروحًا منها ما عليه من التزامات في وقت معين.
قد يرتفع راتب شخص من دون أن تتغير ثروته كثيرًا.
وقد يمتلك شخص ثروة كبيرة بينما يكون دخله الجاري أقل.
لكن كليهما يمكن أن يؤثر في قدرته على الإنفاق وفي الطلب على السلع والخدمات.
ولهذا تضع المادة الدخل والثروة ضمن محددات الطلب الأساسية.
لا تنظر إلى الراتب.. انظر إلى ما يفعله الراتب
هذه ربما أفضل طريقة لفهم الفكرة.
الاقتصاد لا يهتم بزيادة الراتب باعتبارها خبرًا جيدًا أو سيئًا.
ما يهمه هو السلوك الذي ينتج عنها.
إذا ارتفع دخل المستهلكين وارتفع طلبهم على سلعة معينة، فهناك علاقة موجبة بين الدخل والطلب عليها، وتكون السلعة في هذه الحالة سلعة عادية.
أما إذا ارتفع الدخل وانخفض الطلب على السلعة، فنحن أمام سلعة دنيا.
وهذا التمييز يسمح لنا بقراءة السوق بطريقة أكثر دقة.
فارتفاع الدخول لا يعني ببساطة أن الناس سيشترون "أكثر".
قد يعني أنهم سيشترون شيئًا مختلفًا.
من راتب الفرد إلى حركة السوق
إذا ارتفع دخل شخص واحد، فقد يكون أثر قراره صغيرًا جدًا بحيث لا يلفت انتباه أحد.
لكن ماذا لو ارتفعت دخول شريحة كبيرة من المستهلكين؟
عندها تبدأ الشركات في ملاحظة شيء مختلف.
قد يزيد الطلب على بعض المنتجات.
وقد يتراجع على منتجات أخرى.
وقد تتغير تفضيلات المستهلكين بين العلامات التجارية.
وقد تجد الشركات نفسها أمام سوق جديد، ليس لأن الأسعار تغيرت، بل لأن المستهلك نفسه أصبح مختلفًا من الناحية الشرائية.
وهنا نعود إلى الفكرة الأساسية في نظرية الطلب: منحنى الطلب لا يتغير فقط عندما يتغير سعر السلعة التي نشتريها؛ هناك عوامل أخرى تستطيع أن تحركه، والدخل والثروة من أبرزها.
حين يتغير راتبك.. قد يتغير سلوكك كمستهلك
زيادة الراتب لا تعني أن عربة التسوق ستصبح ببساطة أكثر امتلاءً.
قد تصبح مختلفة.
قد تنتقل من منتج إلى آخر، ومن علامة إلى أخرى، ومن خيار كان مفروضًا بسبب الميزانية إلى خيار تختاره لأنك تفضله.
وهذه هي الفكرة التي يجعلها مفهوم الدخل والطلب أكثر وضوحًا: ما نشتريه لا تحدده الأسعار وحدها، بل تحدده أيضًا قدرتنا المالية والخيارات التي تصبح متاحة لنا عندما تتغير هذه القدرة.
في القاعة، كان هذا أحد المفاتيح التي يفتح بها الدكتور @فائق العكايلة بابًا أوسع لفهم محددات الطلب: الدخل لا يحدد فقط كم تستطيع أن تشتري؛ بل يمكن أن يغير ما تريد أن تشتريه أصلًا.
وهنا يصبح كشف الراتب في نهاية الشهر أكثر من مجرد رقم.
إنه، بطريقة ما، إشارة مبكرة إلى السوق الذي ستذهب إليه أموالك.
التعليقات (1)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!