أطلق جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «جي بي مورغان تشيس»، أكبر بنك أمريكي من حيث الأصول، تحذيراً مزدوجاً لافتاً للأسواق، مفاده أن المستثمرين يقلّلون من حجم المخاطر الجيوسياسية والمالية المُحدقة بالاقتصاد العالمي، وأنه شخصياً لن يكون مشترياً لا للسوق الأمريكية للأسهم على اتساعها ولا لسندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل عند الأسعار الراهنة.
جاءت تصريحات دايمون خلال مقابلة استمرت نحو ساعة مع ويلفريد فروست في بودكاست «Master Investor»، سُجّلت في السادس عشر من يوليو ونُشرت مساء الاثنين الحادي والعشرين منه، ونقلتها شبكة «سي إن بي سي». وقال فيها بوضوح إنه «لن يشتري إطلاقاً» السوق الأمريكية للأسهم في مجملها عند تسعيرها الحالي، وإنه لن يكون مشترياً كذلك للسندات الحكومية طويلة الأجل.
المخاطر أكبر مما يتصوّره الآخرون
عدّد دايمون أربع بؤر خطر يرى أن السوق لا تُسعّرها بالقدر الكافي: الحربان في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، وتصاعد الإنفاق العسكري للحكومات، واتساع عجوزات الموازنات العامة. وقال: «أعتقد أن هذه المخاطر أرجح أن تكون أكبر مما يظنه الآخرون».
ومع ذلك، لم يتنبأ دايمون بانهيار وشيك. فقد أوضح أن الاقتصاد بات أكثر مناعة، وأن صدمات كانت كفيلة بزعزعة الأسواق في دورات سابقة أصبحت تُمتَص اليوم دون اضطراب يُذكر، مضيفاً أن الأمر «قد يتطلب المزيد من القشّات لقصم ظهر البعير»، وأن تصعيداً إضافياً في الحروب القائمة قد لا يكون كافياً وحده ليشكّل الشرارة. كما ميّز بين موقفه من السوق ككل وموقفه من الأسهم الفردية، إذ أبدى استعداده لشراء سهم بعينه إذا وجده «استثماراً ممتازاً»، بينما يمتنع عن دخول السوق العريضة عند مستوياتها الحالية.
السندات طويلة الأجل: لا هامش صعود يُغري
في ملف أدوات الدين، رأى دايمون أن العائد لا يترك حيّزاً كافياً للربح. وقال إنه «حتى لو كان التضخم عند 2%، فإن سند العشر سنوات ينبغي أن يكون عند نحو 4% إلى 4.5%»، مشيراً إلى أن العوائد تقترب فعلاً من هذا النطاق. ويتداول سند الخزانة لأجل عشر سنوات حالياً عند عائد يقارب 4.6%، بعد مسار صاعد استمر معظم العام مع تحوّل توقعات السوق من رهان على خفض الفائدة إلى احتمال رفعها.
وبما أن أسعار السندات تتحرك عكسياً مع العوائد، فإن بقاء احتمال رفع الفائدة وضبابية مسار التضخم يُبقيان أسعار السندات طويلة الأجل تحت الضغط. ويرى دايمون أن الاختلالات المالية غير المعالَجة قد تدفع «حرّاس السندات» (bond vigilantes) إلى فرض عوائد أعلى، بما يترتب عليه من تقلّب في الأسواق.
ولا يقتصر الأمر على قرار استثماري؛ فالرسالة تحمل تبعات على حَمَلة الأسهم أيضاً. فقد كانت القاعدة المألوفة تقضي بالخروج من الأسهم إلى السندات عند موجات البيع باعتبارها «ملاذاً آمناً»، لكن دايمون يحذّر من أن هذه المناورة لم تعد تعمل بالكفاءة السابقة، ما يترك المستثمرين أمام خيارات أضيق إذا صحّحت أسواق الأسهم.
الدَّين العام في صميم القلق
أرجع دايمون جانباً من قلقه إلى الوضع المالي للحكومات، مشيراً إلى أن نسب الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت إلى ما يقارب 100% في الولايات المتحدة وأوروبا، وأن العجوزات الحكومية لا تزال مرتفعة تاريخياً رغم غياب ركود كبير أو حرب واسعة. وقال إن الأجدر بالحكومات معالجة هذه الاختلالات بنضج قبل أن تفرض الأسواق الحل، مضيفاً أن ترك المشكلة حتى تتفاقم هو السيناريو الأرجح في تقديره.
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من تجاوز الدَّين الفيدرالي الأمريكي المملوك للعموم عتبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما جدّد الجدل حول المسار المالي للبلاد ومخاوف اتّجاه حصة متزايدة من الإنفاق الحكومي نحو خدمة الدَّين بدل الاستثمار المنتِج. وتتّسق نبرته الحالية مع تحذيرات سابقة أطلقها خلال العام؛ ففي مايو الماضي، ومن منتدى «ريغان» الاقتصادي الوطني، دعا صنّاع السياسات إلى معالجة تصاعد الاقتراض الحكومي قبل أن تتحرّك الأسواق، محذّراً من أن العجوزات غير المنضبطة قد تُفضي في نهاية المطاف إلى «نوع من أزمة السندات».
الذكاء الاصطناعي: عائد مؤجَّل لا إنفاق مُهدَر
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، شبّه دايمون موجة الإنفاق الراهنة بمراحل ازدهار الإنترنت الأولى، من دون أن يصفها بالإهدار. وأقرّ بضخامة المبالغ المرصودة، لكنه فصل بين جدوى الإنفاق في المحصلة وبين توقيت العائد، قائلاً: «هل سيؤتي ثماره إجمالاً؟ على الأرجح، تماماً كما فعل الإنترنت. لكن هل سيؤتي ثماره بالصورة والجدول الزمني اللذين تتوقعهما؟ قطعاً لا».
تناقض مع مزاج السوق ونتائج قياسية للبنك
يضع موقف دايمون الحذِر في مواجهة المزاج السائد في الأسواق؛ فمؤشر «إس آند بي 500» يرتفع بنحو 10% منذ مطلع العام، مدفوعاً بمرونة الإنفاق الاستهلاكي، وتراجع التضخم، وموجة الحماس للذكاء الاصطناعي. كما جاءت المقابلة بعد أيام من إعلان «جي بي مورغان» أعلى ربح فصلي في تاريخه، بصافي دخل بلغ 21.2 مليار دولار في الربع الثاني، مدفوعاً بقفزة في إيرادات التداول ومكسب على حصة البنك في «فيزا». وبوصفه ممثلاً لأكثر بنوك الولايات المتحدة ربحية، فإن عزوفه عن السوق العريضة يمثّل إشارة تستحق التوقف.
وتُظهر بيانات التدفقات أن كثيراً من المستثمرين سبقوا نصيحته في السندات فعلاً؛ فقد اجتذب صندوق «iShares 0-3 Month Treasury Bond» (SGOV) المتخصص في أدوات الخزانة قصيرة الأجل تدفقات بلغت 47.5 مليار دولار منذ بداية العام، لترتفع أصوله إلى ما يقارب 100 مليار دولار، في تحوّل واضح نحو الآجال القصيرة بحثاً عن الأمان بدل الآجال الطويلة.
انتقاد الضريبة البريطانية على البنوك
ولم يخلُ حديث دايمون من بُعد تنافسي، إذ انتقد الرسم الضريبي الإضافي المفروض على البنوك في المملكة المتحدة، محذّراً من أن نظاماً ضريبياً غير تنافسي قد يدفع الاستثمار ورأس المال إلى وجهات أخرى. وتزامنت ملاحظاته مع إعلان «جي بي مورغان» وكبرى البنوك عن نتائج فصلية قوية مدعومة بنشاط التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية.
خلاصة تحليلية: تسعير المخاطر وفجوة التقييمات في الأسواق
في المحصلة، تلخص تصريحات جيمي دايمون مشهداً اقتصادياً يتسم بوجود فجوة واضحة بين التقييمات المرتفعة للأصول المالية والمخاطر الهيكلية المحيطة بالاقتصاد العالمي. وتستند هذه القراءة إلى ملاحظة تجاهل الأسواق لتسعير تحديات معقدة، أبرزها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، والزيادة المطردة في مستويات الدين العام وعجوزات الموازنات.
كما تبرز التصريحات تغيراً ملحوظاً في ديناميكيات الملاذات الآمنة التقليدية؛ إذ تواجه سندات الخزانة طويلة الأجل ضغوطاً تحد من كفاءتها التحوطية المعتادة في ظل ضبابية مسارات التضخم وأسعار الفائدة. وبشكل عام، يعكس هذا الموقف تشخيصاً لحالة عدم اليقين المالي والسياسي، مبرزاً التناقض القائم بين الأداء الإيجابي للمؤشرات الحالية والتراكم المستمر للمخاطر غير المسعّرة.
التعليقات (10)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!