واجه الاقتصاد السعودي في 2026 اختبارًا صعبًا مع تراجع النشاط النفطي في الربع الثاني، لكن الصورة لم تكن انكماشًا عامًا. فالأنشطة غير النفطية واصلت النمو، والاستهلاك بقي قويًا، والبطالة بين السعوديين استقرت عند مستويات أقل من مستهدفها الأصلي في رؤية 2030، فيما استمرت السياحة والاستثمار والإنفاق على المشروعات. في اليوم الوطني السعودي الـ96، نقرأ الأرقام لا بوصفها قائمة إنجازات، بل لنعرف: كيف تغيرت بنية الاقتصاد، وما الذي تحقق، وأين ما تزال المسافة قائمة؟
كيف نقرأ اقتصاد دولة في يومها الوطني؟
يمكن أن نبدأ بحجم الناتج المحلي، أو الإيرادات، أو عدد الوظائف، أو قيمة السوق المالية. لكن كل رقم منفرد يحكي جزءًا فقط من القصة.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم أصبح الاقتصاد السعودي كبيرًا؟
بل: كيف تغيرت الطريقة التي يعمل بها؟
في عام 2026، وجد الاقتصاد السعودي نفسه أمام اختبار مفيد للإجابة عن هذا السؤال. فقد تعرض النشاط النفطي لضغط حاد في الربع الثاني، بينما استمرت أجزاء أخرى من الاقتصاد في النمو.
هذه المفارقة هي نقطة البداية في تقرير «96 عامًا تُقرأ بالأرقام»، الذي أعده فريق من طلاب جامعة اليمامة ضمن «يمامة إنسايتس» بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.
عندما يتراجع النفط.. ماذا يحدث لبقية الاقتصاد؟
في الربع الثاني من 2026، تراجعت الأنشطة النفطية بنسبة 24.8% على أساس سنوي، بحسب البيانات التي يستند إليها التقرير.
«على أساس سنوي» تعني ببساطة مقارنة الفترة نفسها بالفترة المقابلة قبل عام.
وكان الانخفاض النفطي كبيرًا بما يكفي لاقتطاع نحو 5.4 نقاط مئوية من معدل نمو الاقتصاد، بينما انخفض الناتج المحلي الحقيقي ككل بنسبة 4.7%.
لكن الرقم اللافت جاء من مكان آخر.
خلال الفترة نفسها، نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.9%، ونمت الأنشطة الحكومية أيضًا بنسبة 0.9%.
لماذا يهم ذلك؟
لأن اقتصادًا يعتمد اعتمادًا كاملًا على قطاع واحد يفترض أن تنتقل صدمة ذلك القطاع سريعًا إلى بقية الأنشطة.
أما بقاء قطاعات أخرى في المنطقة الموجبة فيعني أن مصادر النشاط الاقتصادي أصبحت أكثر تنوعًا.
وهنا نحتاج إلى فهم معنى التنويع الاقتصادي.
التنويع لا يعني اختفاء النفط من الاقتصاد، ولا يعني أن إيراداته لم تعد مهمة.
يعني ببساطة أن الاقتصاد أصبح يمتلك مصادر متعددة للإنتاج والدخل والوظائف والنشاط، بحيث لا تتحرك جميع أجزائه بالاتجاه نفسه في كل مرة يتحرك فيها النفط.
والتنويع ليس رقمًا واحدًا
من أهم الأفكار في التقرير أنه لا يمكن قياس التنويع بمؤشر واحد.
هناك على الأقل ثلاثة أسئلة مختلفة:
ماذا ينتج الاقتصاد؟
من أين تحصل الدولة على إيراداتها؟
وماذا تبيع المملكة للعالم؟
وقد تكون الإجابة مختلفة في كل مرة.
فبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغت الأنشطة غير النفطية نحو 55% من الناتج الحقيقي في 2025 وفق منهجية الحساب المستخدمة، بينما بلغت الإيرادات غير النفطية 45% من إجمالي الإيرادات في النصف الأول من 2026.
وفي جانب التجارة، مثلت الصادرات غير النفطية نحو 44% من إجمالي الصادرات في 2025 بحسب قراءة التقرير.
لهذا عندما نسمع عبارة «الاقتصاد غير النفطي»، يجب أن نسأل فورًا:
هل نتحدث عن الإنتاج؟
أم إيرادات الدولة؟
أم الصادرات؟
الخلط بينها قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للواقع الاقتصادي.
ماذا حدث للمالية العامة؟
عندما تتعرض الإيرادات أو الأنشطة الأساسية لضغط، يظهر سؤال آخر: كيف تتصرف الحكومة؟
بلغت الإيرادات العامة في النصف الأول من 2026 نحو 599.8 مليار ريال، فيما بلغت المصروفات نحو 759.8 مليار ريال.
لكن حركة العجز بين الربعين أكثر دلالة من الرقم نصف السنوي.
فقد بلغ العجز في الربع الأول 125.7 مليار ريال، ثم انخفض في الربع الثاني إلى 34.3 مليار ريال، بالتزامن مع ارتفاع الإيرادات.
أما الدين العام فبلغ نحو 33.9% من الناتج المحلي بنهاية يونيو 2026 وفق التقرير.
وماذا تعني نسبة الدين إلى الناتج؟
هي ببساطة مقارنة ما على الحكومة من دين بحجم ما ينتجه الاقتصاد خلال سنة.
وكلما نظرنا إلى الدين، لا يكفي أن نسأل عن حجمه، بل يجب أن نسأل أيضًا: ما كلفته؟ وكيف يمول؟ وبأي عملة؟ وفيمَ تستخدم الأموال المقترضة؟
ولهذا فإن الرقم وحده لا يخبر القصة كاملة.
الوظائف: ماذا يعني انخفاض البطالة فعلًا؟
ربما يكون سوق العمل من أكثر المؤشرات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
بلغ معدل البطالة بين السعوديين 6.4% وفق أحدث البيانات التي تناولها التقرير، مقابل مستهدف أصلي لرؤية 2030 بلغ 7%، قبل رفع سقف المستهدف لاحقًا إلى 5%.
لكن ماذا يعني معدل البطالة؟
هو نسبة من يبحثون عن عمل ولا يجدونه من إجمالي الأشخاص المشاركين في سوق العمل.
وهنا تأتي أهمية مؤشر آخر: معدل المشاركة في القوى العاملة.
فقد بلغت مشاركة المرأة السعودية نحو 33.9%، مقارنة بنحو 17% عند انطلاق الرؤية، وفق الأرقام التي يستعرضها التقرير.
وهكذا فإن قراءة سوق العمل لا تكتمل بمجرد معرفة عدد العاطلين؛ بل تشمل أيضًا معرفة عدد الأشخاص الذين دخلوا السوق أصلًا وبدأوا البحث والعمل.
ويكشف التقرير كذلك أن التحدي لا يتوزع بالتساوي على جميع الأعمار؛ فالبطالة بين الشباب أعلى من الفئات الأكبر سنًا، ما يجعل الانتقال من التعليم إلى الوظيفة الأولى إحدى النقاط التي تستحق الاهتمام.
ماذا فعل المستهلك أثناء الاضطراب؟
هناك طريقة أخرى لقراءة ثقة الناس بالاقتصاد: ماذا يفعلون بأموالهم؟
في أبريل 2026 بلغ إنفاق المستهلكين نحو 133.9 مليار ريال، بارتفاع سنوي بلغ 17.5% بحسب التقرير.
وعندما يستمر الإنفاق أو يرتفع في فترة من عدم اليقين، فقد يكون ذلك مؤشرًا على أن الأسر لم تتعامل مع الظروف بوصفها أزمة تستدعي تجميد الاستهلاك.
لكن من المهم ألا نساوي بين ارتفاع الإنفاق وارتفاع الرفاهية تلقائيًا.
فالإنفاق قد يرتفع بسبب زيادة عدد السكان، أو ارتفاع الأسعار، أو ارتفاع الدخل، أو تغير طريقة الدفع.
ولهذا فإن القراءة الأفضل دائمًا هي النظر إلى القيمة والكمية والأسعار معًا.
وهل كانت الأسعار تحت السيطرة؟
بلغ التضخم السنوي في يوليو 2026 نحو 1.8% وفق البيانات الواردة في التقرير.
والتضخم يعني ببساطة المعدل الذي ترتفع به أسعار سلة واسعة من السلع والخدمات بمرور الوقت.
لكن المتوسط يخفي اختلافات مهمة.
فقد ارتفع بند السكن والمياه والكهرباء والوقود بنسبة 4.2%، مدفوعًا بارتفاع الإيجارات الفعلية، بينما كانت الضغوط السعرية في أقسام أخرى أقل.
وهذه نقطة مهمة للقارئ.
عندما نسمع أن التضخم 1.8%، لا يعني ذلك أن كل سلعة ارتفعت 1.8%.
قد ترتفع الإيجارات أكثر، وتنخفض سلعة أخرى، وتبقى ثالثة دون تغيير، ثم ينتج المتوسط النهائي.
السكن: من 47% إلى 66.24%
من المؤشرات الاجتماعية الاقتصادية التي يبرزها التقرير نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن.
فقد بلغت 66.24%، مقارنة بخط أساس بلغ 47%، ومستهدف 2030 البالغ 70%.
أي أن نحو ثلثي الأسر السعودية أصبحت تملك مساكنها بحسب المؤشر المستخدم.
وتبقى أقل من أربع نقاط مئوية للوصول إلى المستهدف.
لكن القطاع العقاري نفسه لا يتحرك في اتجاه واحد.
فالأسعار تختلف بين الأراضي والشقق والفلل، وبين منطقة وأخرى، وبين العقار السكني والتجاري والزراعي.
وهذا يذكرنا بقاعدة مهمة: عبارة «أسعار العقارات ارتفعت» لا تكفي اقتصاديًا ما لم نعرف أي عقار؟ وأين؟ وخلال أي فترة؟
السياحة: عندما يبقى الإنفاق داخل الاقتصاد
في الربع الأول من 2026 بلغ الإنفاق السياحي نحو 82.7 مليار ريال، مع تسجيل 37.2 مليون زائر وفق التقرير.
وفي 2025 وصلت الزيارات إلى 123 مليون زيارة بإنفاق بلغ نحو 304 مليارات ريال.
لكن التقرير يلفت إلى فرق مهم بين السياحة المحلية والوافدة.
السائح القادم من الخارج يجلب إنفاقًا جديدًا إلى الاقتصاد.
أما المقيم الذي يختار السياحة داخل المملكة بدل السفر للخارج، فيساعد على إبقاء جزء من إنفاقه داخل الاقتصاد المحلي.
ولهذا لا تقاس قيمة السياحة فقط بعدد الزوار.
السؤال الأهم اقتصاديًا هو: كم ينفق الزائر؟ وأين يذهب هذا الإنفاق؟ وكم منه يبقى داخل الاقتصاد؟
الاستثمار: ماذا يخبرنا المستثمر الذي يستطيع المغادرة؟
بلغت حيازات المستثمرين الأجانب في السوق السعودية نحو 437.9 مليار ريال بحسب التقرير، فيما ارتفعت تراخيص الاستثمار الأجنبي في الربع الثاني من 2026 بنسبة 252% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لكن ارتفاع عدد التراخيص لا يعني تلقائيًا أن القيمة الفعلية للاستثمارات ارتفعت بالمعدل نفسه.
الرخصة تسمح بالنشاط، أما الاستثمار الحقيقي فيظهر لاحقًا في رأس المال والمشروعات والوظائف والإنتاج.
ولهذا فإن المؤشر مهم، لكنه مؤشر على الاهتمام والدخول المحتمل أكثر من كونه قياسًا كاملًا للأموال المستثمرة فعليًا.
وهذا النوع من التفريق بين «الإشارة» و«النتيجة» ضروري عند قراءة أي رقم اقتصادي.
رؤية 2030: ماذا تحقق وماذا بقي؟
قبل أربعة أعوام من 2030، تعرض لوحة المؤشرات في التقرير صورة غير متساوية، وهذه بحد ذاتها نتيجة مهمة.
بعض المؤشرات تجاوز مستهدفه مبكرًا.
معدل البطالة السعودي تجاوز المستهدف الأصلي البالغ 7%، فرفع المستهدف إلى 5%.
مشاركة المرأة في القوى العاملة وصلت إلى 33.9% مقابل مستهدف 30%.
نسبة تملك المساكن بلغت 66.24% مقابل مستهدف 70%.
المدفوعات الإلكترونية تجاوزت مستهدفها السابق.
ووصل عدد الزيارات السياحية إلى 123 مليونًا بعدما رُفع المستهدف إلى 150 مليون زيارة بحلول 2030.
لكن المؤشرات المتعلقة بالإنتاج والصادرات والتحول الهيكلي تحتاج بطبيعتها إلى وقت أطول.
فالوظيفة قد تُخلق خلال أشهر، لكن بناء صناعة تصديرية تنافس في الأسواق العالمية يحتاج مصانع وتقنية ورأس مال وسلاسل توريد وأسواقًا.
ومن هنا فإن تقدم المؤشرات بسرعات مختلفة ليس بالضرورة تناقضًا، بل قد يكون انعكاسًا لاختلاف طبيعة كل هدف.
ماذا تقول الأرقام في اليوم الوطني؟
يمكن للاحتفال باليوم الوطني أن يكون مناسبة للنظر إلى ما تحقق.
لكن الأرقام تصبح أكثر فائدة عندما نستخدمها أيضًا لمعرفة ما الذي تغير فعلًا، وما الذي لم يكتمل بعد.
والصورة التي يقدمها تقرير «96 عامًا تُقرأ بالأرقام» ليست اقتصادًا انتهت تحدياته.
بل اقتصادًا تغيرت تركيبته.
النفط لا يزال عنصرًا رئيسيًا في الإنتاج والإيرادات والصادرات، لكن النشاط الاقتصادي لم يعد يتحرك بوصفه كتلة واحدة معه.
سوق العمل تغير.
السياحة توسعت.
وسائل الدفع تغيرت.
نسبة التملك ارتفعت.
وتنشأ قطاعات لم تكن قبل عقد بالحجم الذي نراه اليوم.
وفي المقابل، ما تزال هناك مسافات في الصادرات، والإنتاج، والانتقال إلى الوظيفة الأولى، والإسكان، وعدد من المشروعات طويلة الأجل.
وهذا ربما هو الاستخدام الأكثر فائدة للأرقام في مناسبة وطنية.
ألا نستخدمها لتقول لنا فقط إلى أين وصلنا، بل لتساعدنا على معرفة ما الذي تغير في الطريق، وما الذي ينبغي مراقبته في السنوات الأربع المقبلة حتى 2030.
عن التقرير
أعد تقرير «96 عامًا تُقرأ بالأرقام» فريق من طلاب وطالبات جامعة اليمامة بمدينة الرياض، هم أروى الحويطي، ومحمد الغيهب، ونوف العنزي، بمشاركة مساعد المحلل المالي عبير التويجري، وبإشراف المحلل المالي والاقتصادي حمد السعيد، ضمن أعمال «يمامة إنسايتس» بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.
ويقرأ التقرير أداء الاقتصاد السعودي حتى الربع الثاني من 2026 عبر تسعة محاور تشمل الاقتصاد الكلي، والمالية العامة، وسوق العمل، والاستهلاك والأسعار، والعقار، والسياحة والقطاع الخارجي، وأسواق رأس المال والاستثمار الأجنبي، ومشروعات رؤية 2030 ومؤشراتها.
اقرأ وحمّل التقرير الكامل: «96 عامًا تُقرأ بالأرقام — الاقتصاد السعودي في اليوم الوطني السادس والتسعين».
96 عامًا تُقرأ بالأرقام
96 years read in numbers
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!