من يُراقب ديناميكيات التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية، يدرك أن قطاعها غير الربحي لم يعد مجرد رافدٍ هامشي للرعاية الاجتماعية، بل أضحى شريكاً استراتيجياً في توليد القيمة الاقتصادية المستدامة.
ومن قلب الحدث، وتشرفاً بحضور الندوة العلمية المصاحبة لتدشين "مركز الأوقاف المكية"، والتي أُقيمت برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، وبتنظيم من غرفة مكة المكرمة؛ تجلت أمامنا ملامح عصر جديد لـ "هندسة الأوقاف"؛ عصرٌ يمزج بين قدسية الرسالة وكفاءة الإدارة وصناعة الأثر القابل للقياس.
لم تكن الندوة التي حملت عنوان «الأوقاف المكية في خدمة ضيوف الرحمن» مجرد استعراض تاريخي، بل كانت بمثابة "مختبر اقتصادي وتنموي" بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي والفضيلة والخبراء.
وركزت الأوراق العلمية المطروحة على الإجابة عن سؤال جوهري في مالية القطاع غير الربحي:
كيف يمكن تعظيم العائد الاجتماعي والاستثماري للأصول الوقفية وتحويلها إلى منظومات حية عابرة للأجيال؟
الحوكمة والتمكين:
الانتقال من "العاطفة الرعوية" إلى "المأسسة الاستثمارية"
أوضح معالي الأستاذ عماد بن صالح الخراشي، محافظ الهيئة العامة للأوقاف، أن القطاع الوقفي السعودي يعيش نقلات نوعية متسارعة ترتكز على محورين:
تطوير الأنظمة والحوكمة،
ورفع كفاءة الاستثمار الوقفي.
إن تبني الهيئة لاستراتيجية تمكين المناطق لتنمية أوقافها لا يهدف فقط إلى الحفاظ على الأصول الوقفية، بل إلى تحويل "مركز الأوقاف المكية" إلى منصة تجمع الواقفين والخبراء والجهات التنموية.
منصة الشراكة هذه تسعى إلى بناء معرفة مؤسسية تدعم الأبحاث والتشريعات وتشجع الأوقاف النوعية، وهو ما أكده الدكتور أسامة بن فضل البار، رئيس مجلس أمناء المركز، حين أشار إلى أهمية تحويل الإرث المكي إلى محرك معرفي مستدام لنشر ثقافة الوقف وتأصيلها.
تاريخ مجيد:
الجذور التنموية لأول نظام حوكمة وقفي في التاريخ
استعرضت الجلسة الأولى للندوة (بإدارة الأستاذ الدكتور عدنان عدس) كيف شكلت مكة المكرمة عبر العصور نموذجاً متقدماً لـ "اقتصاديات الوفرة الخدمية" عبر الأوقاف المتخصصة:
- أوقاف المياه وسقيا الحجاج:
حلل الأستاذ الدكتور عمر أبو رزيزة مشروع "عين زبيدة" كأحد أقدم وأنجح نماذج الاستدامة البيئية والمائية من العصر العباسي إلى العهد السعودي الزاهر. - البنية التحتية والإيواء:
وثّق الأستاذ الدكتور حسين شافعي وجود 46 رباطاً وقفياً تاريخياً مخصصاً لاستقبال وضيافة ضيوف الرحمن، وهو ما يمثل تاريخياً شبكة أمان إيوائية مجانية تدار بأعلى مستويات الكفاءة والضيافة. - تحول سلاسل الإمداد (الرفادة):
تتبع الدكتور عبدالله العتيبي تطور نظام الرفادة منذ أطلقه قصي بن كلاب كنظام اجتماعي تضامني، وصولاً إلى مأسسته الحديثة عبر "لجنة الرفادة"، ليتحول من جهد فردي موسمي إلى منظومة وقفية مستدامة لوجستياً وتكافلياً. - أوقاف الطرق الذكية:
طرح الدكتور عبدالله سيدي الطارقي مبادرات تجمع بين الإرث والتقنية، مقترحاً إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإدارة وتطوير الأوقاف الممتدة على طرق الحج لتوفير الأمن والإرشاد والإطعام.
الفرق الجوهري بين الشركات الربحية والأوقاف:
إن الفارق الجوهري بين إدارة الشركات الهادفة للربح وإدارة الأوقاف، هو أن الأولى تقيس أثرها بـ "صافي الأرباح"، بينما تقيس الأوقاف أثرها بـ "العائد الاجتماعي على الاستثمار" (SROI) والمؤشرات الحيوية الناتجة على الأرض.
وبأسلوب التحليل القائم على البيانات التنفيذية، استعرضت الجلسة الثانية نماذج معاصرة أثبتت قوة الأرقام في قياس الأثر:
مبرة منى (مؤسسة الأمير متعب بن عبدالعزيز آل سعود الأهلية)
- الأثر الرقمي:
ضخ أكثر من 24 مليون لتر من المياه المبردة لضيوف الرحمن خلال موسم الحج. - البنية اللوجستية:
شبكة نقل متطورة تمتد لأكثر من 170 ألف متر. - الاستثمار الاستراتيجي:
المساهمة في محفظة تطوير منظومة زمزم بقيمة 100 مليون ريال سعودي.
شركة الراجحي الخيرية لخدمات حجاج الداخل
- الأثر الاجتماعي الديموغرافي: تمكين المواطنين غير المستطيعين، والتركيز على تمكين أكثر من 40 ألف مسلم جديد من أداء فريضة الحج، مما يعزز الاستثمار الاجتماعي البشري.
مؤسسة عبدالرحمن عبدالقادر فقيه الأهلية (الاستدامة البيئية)
قدمت الدكتورة عفاف الجلال ورقة تُعد نموذجاً مثالياً لكيفية قياس الأثر البيئي والصحي للأوقاف، حيث أدت مشاريع المؤسسة في (السقيا، التلطيف المناخي، التشجير، والري) إلى:
- خفض حالات الإجهاد الحراري بين الحجاج بنسبة 74.6%.
- تقليل الوفيات الناتجة عن ضربات الشمس والإجهاد الحراري بنسبة 47.6%. (هذا الرقم يعكس بوضوح كيف تساهم الأوقاف التخصصية في حفظ النفس البشرية وتخفيف العبء عن القطاع الصحي الحكومي).
مؤسسة نسك الإنسانية (التكامل المؤسسي)
أوضح الأستاذ عمار الوهيبي أن الفرصة الاقتصادية الكبرى تكمن في معالجة تشتت الجهود والانتقال لمنظومة متكاملة، مستشهداً بـ مؤشرات القطاع غير الربحي في الحج:
- أكثر من 800 منظمة عاملة.
- تقديم ما يزيد عن 5,000 خدمة.
- حشد طاقات 75,000 متطوع.
- رصد 400 احتياج تنموي، و100 فرصة استثمارية، وإطلاق 111 مبادرة نوعية.

الابتكار والتحالفات الاستراتيجية: صياغة المستقبل
لا يمكن للقطاع غير الربحي أن يحقق الاستدامة بمعزل عن الشراكات. ووفقاً للمنظور التكاملي، شهد الحفل توقيع 6 اتفاقيات شراكة استراتيجية بين مركز الأوقاف المكية وجهات سيادية وعلمية وتنموية أبرزها: (الهيئة العامة للأوقاف، أوقاف الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز، مؤسسة السبيعي الأهلية، مؤسسة الضويان الأهلية، أوقاف جامعة أم القرى، والوقف العلمي بجامعة الملك عبدالعزيز).
هذا التحالف يمثل "الاندماج الاستراتيجي" المطلوب لتوحيد الرؤى وبناء المسارات البحثية وتجنب تكرار الجهود.
وفي الجلسة الرئيسة التي ترأسها معالي الشيخ سعد بن ناصر الشثري، تبلورت ملامح الابتكار الوقفي عبر أفكار هندسية وتشغيلية خارج الصندوق:
أنسنة المدن الوقفية:
حيث استعرض أمين العاصمة المقدسة، الأستاذ مساعد الداود، دور المبادرات المجتمعية (مثل مبادرة "وطهر بيتي" والمراكز المجتمعية) في تعزيز جودة الحياة وتحسين تجربة ضيوف الرحمن عبر التكامل بين القطاعين الوقفي وغير الربحي.
الكفاءة التشغيلية لسلاسل الغذاء:
من خلال استعراض تجربة مشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي (قدمها الأستاذ سعد الوابل) كأحد أرقى النماذج المؤسسية المعتمدة عالمياً.
الأوقاف التخصصية:
طرح المهندس غازي الشهري فكرة التحول نحو "الأوقاف الرأسية التخصصية" التي تلبي احتياجات تنموية متجددة بدلاً من الأوقاف التقليدية العامة، مما يضمن مرونة رأس المال الوقفي.
ثورة اللوجستيات الهندسية:
اختتم الأستاذ الدكتور عبدالرزاق سلطان الأوراق بطرح مقترح هندسي جريء: استخدام السيور الميكانيكية المتحركة داخل ممرات مكيفة ومغلقة لتيسير تنقل الحجاج في المشاعر المقدسة، مما يمثل تحولاً جذرياً في هندسة الزحام والتنقل اللوجستي.
نموذج عالمي فريد
إن حضورنا لهذه الفعالية الاستثنائية ومواكبتنا لولادة "مركز الأوقاف المكية" يؤكد لنا -كباحثين في الإدارة التنفيذية واقتصاديات القطاع غير الربحي- أن المملكة تؤسس لنموذج عالمي فريد يُدعى "اقتصاد الأوقاف الذكي".
الأرقام التي سُجلت ونوقشت في الندوة (من نسب خفض الإجهاد الحراري إلى حجم الاستثمارات المليونية) تثبت أن الوقف الإسلامي لم يعد مجرد أصل ثابت جامد، بل هو أداة مالية مرنة، قادرة على الابتكار، والاندماج الرقمي، وتحقيق الاستدامة التنموية. إن قياس الأثر بلغة الأرقام هو الضمانة الوحيدة لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 برفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%، ولعل أوقاف مكة المكرمة هي حجر الزاوية والقائد الطبيعي لهذه المسيرة التنموية الكبرى.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!