تحتفظ الأدبيات التقليدية للقطاع غير الربحي بصورة نمطية عن "جيل Z" (المولودين بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من الألفية الثانية) باعتبارهم جيلاً "صاخب الصوت، شحيح العطاء"، أو مجرد "متبرعي المستقبل" الذين ينتظر القطاع نضجهم المالي.
لكن بلغة الأرقام، يبدو أن هذه الرؤية باتت جزءاً من الماضي.

في قراءة تحليلية حديثة أعدها الخبيران ستيف فروليتش ووودرو روزنباوم، بناءً على بيانات مسحية موسعة من منصتي GoFundMe وGivingTuesday لعام 2026، يتضح أن هذا الجيل لا ينتظر المستقبل؛ بل يقود الحاضر بنمط عطاء مغاير يعتمد على الشبكات الرقمية والأثر الفوري.

نستعرض هنا، تحولات هذا الجيل، وماذا تعني لاقتصاديات القطاع غير الربحي؟

الأرقام لا تكذب: جيل Z يتفوق في مؤشرات السخاء

تكشف البيانات المقارنة بين جيل Z وبقية البالغين (الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و85 عاماً) عن مفارقة اقتصادية مثيرة للاهتمام:
على الرغم من أن جيل Z يقع حالياً في فئات الدخل الأدنى نظراً لمرحلتهم العمرية، إلا أن معدلات مشاركتهم في العطاء تتفوق على الأجيال الأكبر سناً في كل المؤشرات المقاسة.

  • العطاء بأي شكل من الأشكال:
    بلغت نسبة المشاركة لدى جيل Z نحو 70.8% مقارنة بـ 65.2% للأجيال الأكبر.
  • التبرع المالي المباشر:
    على عكس المتوقع، تبرع 42.7% من جيل Z بالمال، متفوقين على بقية البالغين (38.8%).
  • التطوع والمناصرة:
    أظهر الجيل نزعة قوية للمشاركة الفعلية؛ حيث بلغت نسبة التطوع بين صفوفه 35.2% (مقابل 25.2% للأكبر سناً)، بينما قفزت نسبة المناصرة والدفاع عن القضايا إلى 32.0% مقارنة بـ 18.8% فقط للأجيال الأخرى.

تشير هذه البيانات إلى أن العطاء في مفهوم جيل Z ليس مجرد دالة في "الدخل الفائض"، بل هو تعبير عن الهوية، والانتماء للمجتمع، والاستجابة الفورية للمستجدات.

"المضاعف الاجتماعي": كيف تحول منصات التواصل النوايا إلى أثر؟

تعتمد البنية التحتية لعطاء جيل Z على العلاقات والشفافية الفورية. ووفقاً للبيانات، فإن 41.0% من جيل Z أشاروا إلى أن محتوى منصات التواصل الاجتماعي كان ملهماً لهم للبحث في قضية ما أو التبرع لها، وهي نسبة تتراجع بوضوح كلما تقدمنا في العمر:

نسبة الإلهام الذي تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي للأجيال

الجيل نسبة الإلهام عبر وسائل التواصل الاجتماعي
جيل Z 41.0%
جيل الألفية (Millennials) 24.3%
الجيل X 20.0%
جيل الطفرة (Boomers+) 8.5%

تأثير المضاعف (Multiplier Effect):
لا يكتفي جيل Z بالتبرع الصامت؛ بل إن احتمالية مشاركتهم لتبرعاتهم وقضاياهم على وسائل التواصل الاجتماعي تتضاعف لتصل إلى 10 مرات مقارنة بجيل الطفرة (Boomers).
في البيئات الرقمية، تتحول هذه المشاركة إلى أداة جذب اقتصادي؛ فالمشاركة الواحدة تدعو شبكة العلاقات للاهتمام والتعلم ثم اتخاذ إجراء، مما يخفض تكلفة الاستحواذ على متبرعين جدد (Donor Acquisition Cost) للمؤسسات الذكية.

التمويل الجماعي: بوابة عبور وليس منافساً للمؤسسات

ثمة قلق تقليدي يسود القطاع غير الربحي مفاده أن منصات التمويل الجماعي والتبرع المباشر للأفراد (مثل حالات الرعاية الطبية أو الطوارئ الشخصية) قد تسحب البساط من تحت أقدام المؤسسات الرسمية المسجلة.

إلا أن الأرقام تفند هذا المخاوف تماماً:

  • توضح الدراسة أن مستخدمي منصات التمويل الجماعي من جيل Z هم أكثر احتمالاً بنسبة 16 نقطة مئوية للتبرع للمؤسسات غير الربحية الرسمية مقارنة بغير المستخدمين.
  • البيانات تظهر تقارباً كبيراً في سلوك جيل Z بين التبرع لمؤسسة مسجلة (48.1%) والتبرع لفرد محتاج (47.3%).

هذا يعني أن التمويل الجماعي غير الرسمي يمثل نقطة انطلاق (Entry Point) وليس منافساً. فالشخص الذي يدعم جاره في أزمة صحية هو العميل المحتمل الأكثر استعداداً لدعم مؤسسة مستدامة تحارب المرض نفسه على نطاق أوسع.

خريطة طريق للمؤسسات غير الربحية: كيف نستثمر في هذا التحول؟

لتحويل هذه الأرقام إلى استراتيجيات نمو مستدامة، يتعين على صناع القرار في القطاع غير الربحي إعادة صياغة نماذج عملهم وفق المحددات التالية:

  • توسيع تعريف "المتبرع":
    يجب ألا يقتصر تقييم الأثر المالي للمانح على قيمة المعاملة النقدية (Transaction)؛ بل يجب احتساب القيمة الحالية والمستقبلية لجهوده في المناصرة والمشاركة الرقمية والتطوع كأصول غير ملموسة ذات عائد مرتفع.
  • أنسنة الخطاب التمويلي:
    ينجذب جيل Z إلى القصص الإنسانية المحددة والمرتبطة بسياق واضح، بدلاً من الشعارات المؤسسية الرنانة. الشفافية والوضوح في "أين تذهب الأموال وكيف تصنع الفارق الآن" هي العملة الأساسية لكسب ثقتهم.
  • تصميم تجارب تبرع مرنة وقابلة للمشاركة:
    تسهيل عمليات العطاء الرقمي وجعلها قابلة للمشاركة ببضع نقرات يضمن تفعيل "المضاعف الاجتماعي" الذي يتقنه هذا الجيل.

إن جيل Z يعيد رسم خريطة العطاء برمتها، والقطاع غير الربحي الذي ينجح في قراءة هذه الأرقام وتفسير سلوكياتها هو القطاع الذي سيضمن استدامة أثره في المستقبل.