في الوقت الذي يئن فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة ديون سيادية متضخمة وتتركز فيه الثروات بأيدي 1% فقط من سكان الأرض، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى نماذج "المسؤولية الاجتماعية للشركات"، التي غالباً ما تكتفي بضخ نفقات سطحية لا توازي حجم التأثيرات البيئية والمجتمعية لنشاطاتها. هنا، وانطلاقاً من فلسفتنا في (يمامة إنسايتس): "لِنفهم الحياة… نُفسِّر الأرقام"، نُسلط الضوء على قطاع اقتصادي صامت ولكنه ذو بنية تحتية صلبة: "اقتصاد الأوقاف". لم يعد الوقف مجرد ممارسة خيرية تقليدية، بل تحول في السعودية إلى صمام أمان مالي وأداة مؤسسية لإعادة توزيع الثروة بعيداً عن تقلبات الأسواق السائلة.
ما وراء العمل الخيري: الوقف كأداة للتدخل المالي الموجه
تشير الرؤية التحليلية التي طُرحت مؤخراً في القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي بإسطنبول، على لسان عبدالله صالح كامل رئيس اتحاد الغرف السعودية، إلى خلل بنيوي في حركة رأس المال العالمي. عندما يتحول النقد إلى سلعة تُتداول لذاتها، وتُحتكر الثروات بدلاً من إعادة تدويرها في الاقتصاد الحقيقي، تنشأ الفجوات التنموية.
من هذا المنطلق، يبرز النموذج السعودي كحالة دراسية واضحة لتدخل الدولة تشريعياً لتحويل "الوقف" من اجتهادات فردية إلى "رأس مال اجتماعي خالص". هذا التحول يتجاوز مفهوم التبرع الاستهلاكي ليخلق أصولاً مُدرة للدخل تساهم في تخفيف العبء المالي عن موازنة الدولة في قطاعات حيوية كالتعليم، الصحة، والبيئة.
تشريح الملياري ريال: خريطة التوزيع الرأسمالي
بالانتقال من التنظير إلى البيانات التجريبية، تكشف الأرقام الصادرة عن الهيئة العامة للأوقاف للعام 2025 عن هيكلة مالية دقيقة لاقتصاد الأوقاف في المملكة، حيث بلغ إجمالي الإنفاق نحو ملياري ريال. قراءة هذه الأرقام اقتصادياً توضح تغيراً في بوصلة الإنفاق نحو الاستدامة التنموية:
- البنية التحتية والبيئة (133 مليون ريال): توجيه هذا الرقم لقطاع البيئة والمياه يعكس تدخلاً مباشراً في أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ويمثل دعماً غير مباشر لمشاريع الأمن المائي وتخفيف الضغط عن الإنفاق الحكومي الرأسمالي.
- الاستثمار البشري (102 مليون ريال): بضخ 87 مليون ريال في التعليم و15 مليون ريال في الخدمات الصحية، يتحرك الوقف كصندوق استثمار في رأس المال البشري، مما يعزز من كفاءة القوى العاملة مستقبلاً.
- البنية المجتمعية والدينية (368 مليون ريال): خُصصت لدعم المساجد، وهي تمثل الأساس التقليدي الذي يحافظ على استقرار وتماسك المجتمع.
الهندسة المالية للأوقاف: من تجميد الأصول إلى إدارة الثروات
أهم ما تكشفه البيانات ليس حجم الإنفاق، بل هيكلة الأصول. تاريخياً، عانى قطاع الأوقاف من "تجميد الثروات" في عقارات غير مستغلة. اليوم، ومع حصر 31,865 وقفاً على مستوى المملكة، نلاحظ تحولاً استراتيجياً نحو "الهندسة المالية" المتقدمة.
تأسيس 31 صندوقاً استثمارياً وقفياً، بأصول مرخصة بلغت 608 ملايين ريال، يعني إدراج هذه الأموال في دورة الاقتصاد الحديث. هذه الصناديق تُدار بعقلية المؤسسات المالية (Asset Management)، وتُستثمر في أسواق المال والصكوك، مما يضمن تدفقات نقدية مستدامة (Cash Flows) تحمي الأصول من التآكل بفعل التضخم، وتخضع لرقابة صارمة تضمن الحوكمة والشفافية.
نحو مؤسسة "رأس المال الاجتماعي"
قطاع الأوقاف في السعودية اليوم يمر بمرحلة نضج مؤسسي متسارعة. تحويل 31 ألف وثيقة من مجرد أوراق في أدراج المحاكم إلى كيانات تضخ ملياري ريال في شرايين الاقتصاد، يثبت أن تقنين العمل الخيري وتحويله إلى قطاع مالي منظم هو خطوة استراتيجية.
الدرس المستفاد هنا هو أن الاقتصاد المستدام لا يُبنى فقط على الضرائب وإيرادات النفط وحركة الأسهم، بل يحتاج إلى "رأس مال صبور" لا يبحث عن التخارج السريع. ومع استمرار الهيئة العامة للأوقاف في تطوير التشريعات وابتكار أدوات مالية جديدة، قد نشهد في السنوات القادمة تحول هذه الصناديق الوقفية إلى لاعب رئيسي في سوق المال السعودي، لتشكل نموذجاً مالياً مبتكراً يدمج بين الربحية والكفاءة الرأسمالية من جهة، والأثر التنموي العميق من جهة أخرى.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!