قد تتجاوز القيمة الاقتصادية لترميم مدرسة تكلفة المبنى ومرافقه، لتشمل إطالة عمر الأصول التعليمية وتحسين بيئة التعلم.
وتطرح مبادرات الخريجين لدعم مدارسهم سؤالًا مهمًا:
كيف نقيس أثر المساهمات المجتمعية، ونضمن استمرار منفعتها للأجيال المقبلة؟
لكل مدرسة خريجون يحملون ذكريات عنها، لكن ماذا لو تحولت هذه الذكريات إلى مورد اقتصادي يساعد في تحسين مرافقها، ويستفيد منه طلاب لم يولدوا بعد حين غادرها أصحاب المبادرة؟
هذا السؤال يفتح بابًا لفهم جانب من اقتصاديات القطاع غير الربحي، حيث لا تقتصر قيمة العطاء على الأموال التي تُنفق، بل تشمل المنافع التي يمكن أن تنتج عنها، ومدى استمرارها.
وفي مقال بعنوان «وفائي لمدرستي… حين يتحول الانتماء إلى أثر»، دعا خالد الخضير خريجي المدارس الحكومية إلى ترجمة انتمائهم لمدارسهم إلى مساهمات عملية في تحسين مرافقها.
وأشار إلى تجربة ترميم وتأهيل مدرسة عبدالرحمن الناصر في الرياض، بدعم من أوقاف محمد الخضير، بوصفها مثالًا للمشاركة المجتمعية في تحسين البيئة التعليمية.
ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي:
ماذا يحدث عندما تتجه الموارد الخيرية إلى تحسين أصل تعليمي قائم، بدلًا من إنشاء أصل جديد؟
المدرسة أصل ينتفع به أكثر من جيل
في الاقتصاد، يُطلق مصطلح «الأصل» على مورد يمكن استخدامه لإنتاج منفعة خلال فترة زمنية.
والمدرسة أحد الأصول العامة طويلة العمر؛ فهي لا تخدم الطلاب الموجودين فيها اليوم فحسب، بل تستقبل أجيالًا متعاقبة، وتحتاج إلى الصيانة والتطوير حتى تستمر في أداء وظيفتها.
وتختلف تكلفة المحافظة على هذا الأصل عن تكلفة إنشائه.
فقد يؤدي إصلاح بعض المرافق في الوقت المناسب إلى تجنب نفقات أكبر في المستقبل، بينما يسهم تحديث تجهيزات أخرى في تحسين كفاءة التشغيل.
ويُعرف هذا المنظور اقتصاديًا بـ«تكلفة دورة الحياة»، وهو حساب لا يقتصر على ثمن إنشاء المبنى، وإنما يشمل أيضًا تشغيله وصيانته وتجديده طوال سنوات استخدامه.
وبالتالي، فإن تقييم جدوى مساهمة مجتمعية في تأهيل مدرسة لا يبدأ بالسؤال عن قيمة المبلغ المتبرع به وحده، بل عن المشكلة التي عالجها، والتكاليف التي قد يساعد على تجنبها مستقبلًا.
ماذا يستفيد الطالب؟
قد يبدو تأهيل ملعب أو تجهيز معمل أو تحسين التكييف مشروعًا محدودًا مقارنة بالاستثمارات الكبرى في التعليم.
لكن منفعة هذه التدخلات لا تُقاس بحجمها فقط.
فالمعمل المجهز قد يتيح تطبيق تجارب تعليمية كانت متعذرة، وتحسين التهوية والتكييف قد يوفر بيئة أكثر راحة، بينما تسمح صيانة المرافق باستمرار استخدامها وتقليل فترات تعطلها.
وتشير أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أهمية البنية التحتية الملائمة للتعلم، لكنها تنبه أيضًا إلى أن تحسين المرافق بعد بلوغ مستوى كافٍ من الجودة لا يؤدي بالضرورة إلى مكاسب تعليمية مماثلة لما تحققه معالجة أوجه القصور الأساسية.
وهنا تظهر أهمية اختيار الاحتياج الحقيقي قبل تخصيص التمويل.
وبعبارة أبسط، قد تكون صيانة دورات المياه أو إصلاح أنظمة التكييف في مدرسة أكثر إلحاحًا من إضافة تجهيزات جديدة إلى مدرسة أخرى تتمتع أصلًا بمرافق مناسبة.
إنها مسألة تتعلق بكفاءة توجيه الموارد، بقدر ما تتعلق بالرغبة في العطاء.
كيف نحسب العائد من المساهمة؟
لنفترض، على سبيل المثال الحسابي فقط، أن جهة مجتمعية ساهمت بمبلغ 140 ألف ريال لتحسين مرفق مدرسي يستفيد منه 700 طالب سنويًا، وأن المرفق سيظل صالحًا للاستخدام خمس سنوات.
في هذه الحالة، يبلغ إجمالي المستفيدين السنويين المتراكم 3500 طالب-سنة، وتكون التكلفة الحسابية نحو 40 ريالًا لكل طالب في السنة.
هذا المثال افتراضي، ولا يتعلق بتكلفة مشروع مدرسة عبدالرحمن الناصر أو بعدد طلابها.
وهو يوضح كيفية توزيع تكلفة المشروع على سنوات الانتفاع، لكنه لا يخبرنا وحده عن حجم الأثر الذي حققه.
فقد تتحقق منفعة مرتفعة من مشروع منخفض التكلفة، وقد تكون منفعة مشروع آخر محدودة رغم ارتفاع إنفاقه.
ولهذا يميز المتخصصون في قياس الأثر بين الأموال المستخدمة، والأعمال المنجزة، والنتائج التي تحققت، والأثر الذي يمكن نسبته إلى المشروع نفسه.
فإنفاق مبلغ على تجهيز معمل يمثل موردًا ماليًا، وافتتاح المعمل يمثل إنجازًا، وزيادة استخدام الطلاب له تمثل نتيجة يمكن قياسها.
أما إثبات أنه أسهم في تحسين تعلم الطلاب، فيتطلب بيانات إضافية ومقارنات مناسبة تراعي العوامل الأخرى المؤثرة في التعليم.
فالإنفاق يخبرنا بما دفعناه، أما قياس الأثر فيساعدنا على معرفة ما تغيّر نتيجة لذلك.
حين يصبح الوفاء رأس مال اجتماعيًا
تفتح دعوة الخضير بابًا آخر لفهم العلاقة بين التعليم والقطاع غير الربحي.
فخريجو المدارس لا يمثلون مجرد أفراد تجمعهم الذكريات، بل يشكلون شبكات اجتماعية ومهنية قد تمتلك موارد وخبرات متنوعة.
ويمكن لهذه الشبكات أن تتحول إلى مصدر للمساهمة في تطوير المرافق أو توفير الخبرات والخدمات، وفق احتياجات المدارس والأطر التنظيمية المعتمدة.
ويُعرف هذا المورد غير المادي باسم «رأس المال الاجتماعي»، أي العلاقات القائمة على الثقة والتعاون التي تساعد الأفراد والمؤسسات على تحقيق أهداف مشتركة.
لكن استدامة هذه المساهمات تتطلب أكثر من الحماس الفردي؛ فهي تحتاج إلى تحديد الاحتياجات، وتنظيم المشاركات، ووضوح المسؤوليات، ومتابعة نتائج المشروعات بعد تنفيذها.
وفي السعودية، تتولى الإدارة العامة للمسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي في وزارة التعليم مهام تشمل تنظيم الشراكات مع القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وتصميم المبادرات المستدامة، وقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وهذا يوفر إطارًا مؤسسيًا يمكن أن يساعد في توجيه المبادرات المجتمعية نحو احتياجات التعليم.
وهل تستفيد جميع المدارس بالقدر نفسه؟
ثمة سؤال لا يقل أهمية عن حجم المساهمات: كيف نضمن توزيعها بعدالة؟
فقد تمتلك بعض المدارس شبكات واسعة من الخريجين القادرين على المساهمة، بينما لا تتوفر لمدارس أخرى الشبكات أو الموارد نفسها، رغم أن احتياجاتها قد تكون أكبر.
ومن هنا تأتي أهمية ألا يعتمد توجيه الدعم على علاقة المتبرعين بمدارسهم وحدها، بل على تقييم موضوعي للاحتياجات.
كما أن المساهمات المجتمعية تظل مكملة للاستثمار الحكومي في التعليم، وليست بديلًا عن مسؤولية الدولة في توفير البيئة التعليمية المناسبة.
وتكمن القيمة الإضافية لهذه المساهمات في قدرتها على تحسين الخدمات، أو تسريع معالجة بعض الاحتياجات، أو إضافة إمكانات جديدة لم تكن متاحة.
من الترميم إلى قياس الأثر
تطرح تجربة تأهيل مدرسة عبدالرحمن الناصر، كما وردت في مقال الخضير، فرصة لطرح أسئلة تتجاوز ما أُنجز في المبنى.
ما المرافق التي كانت تحتاج إلى التأهيل؟ وكم عدد الطلاب المستفيدين؟ وهل ساهم المشروع في خفض الأعطال أو تحسين استخدام المرافق؟ وكيف يمكن المحافظة على هذه التحسينات خلال السنوات المقبلة؟
هذه ليست أسئلة تشكك في قيمة المبادرة، بل تساعد على فهمها اقتصاديًا، وتحويل التجارب الفردية إلى معرفة يمكن الاستفادة منها في مشروعات أخرى.
وبينما ينطلق الوفاء للمدرسة من الذاكرة والانتماء، فإن استدامة أثره تعتمد على حسن اختيار المشروعات وكفاءة تنفيذها وقياس نتائجها.
فالقيمة الاقتصادية لترميم مدرسة لا تتوقف عند المبلغ الذي أُنفق اليوم، بل تمتد إلى المنفعة التي يمكن أن يستفيد منها طلاب الغد.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!