قبل عقود، كان الإنجاز يُقاس بحجم ما تنتجه الأرض داخل الحدود. اليوم، أدركت العقول التخطيطية في السعودية أن زراعة كل طن قمح في صحراء شحيحة المياه لم تكن مجرد نصر زراعي، بل كانت حسماً مجحفاً من رصيد الأجيال القادمة في المياه الجوفية. ومن هنا، تحول السؤال الاستراتيجي من: "هل نستطيع إنتاجه؟" إلى: "هل إنتاجه محلياً هو الاستخدام الأفضل والأعدل لمواردنا؟"
درس القمح وإعادة تعريف الوفرة:
- المفهوم القديم مقابل اليوم: كان الاعتقاد السابق يرى أن زيادة الإنتاج تعني حكماً أماناً أكبر، بينما يرتكز المفهوم الحديث على تأمين الغذاء بمزيج متكامل يجمع بين: إنتاج ما يناسب الموارد، والاستيراد البناء، والتخزين، والاستثمار الخارجي المباشر.
- مفارقة القمح: كشفت تجربة التوسع في زراعة القمح أن النجاح في أرقام الحصاد لا يعني استدامة الموارد، بل قد يشكل ضغطاً حاداً على المياه الجوفية النادرة.
الميزة النسبية وأرقام الاكتفاء:
ليس كل استيراد ضعفاً، وتجاوز نسبة 100% ليس هدفاً مطلقاً لكل سلعة إذا كانت النقطة الإضافية تستهلك ماءً شديد الندرة؛ لذا تتفاوت نسب الاكتفاء الذاتي في المملكة بحسب الميزة التشغيلية:
- الروبيان: 149%.
- منتجات الألبان: 131%.
- التمور: 121%.
- بيض المائدة: 103%.
- الكوسا: 100%.
من المشتري إلى المستثمر السيادي:
لأن الاستيراد وحده يظل معرضاً لمخاطر الحروب، واضطرابات الشحن، وقيود التصدير، وتقلب الأسعار؛ تحولت المملكة عبر شركة "سالك" (تأسست عام 2009) من مجرد مشترٍ للسلع إلى مستثمر يمتلك أصول الإمداد من مصادرها، محققة 13 استثماراً منتشرة في 5 قارات و7 دول.
الأمن الغذائي.. القيمة قبل الزراعة:
السياسة الأشد نضجاً لا تعتمد على زراعة السلعة فحسب، بل على التحكم في سلسلة قيمتها الكاملة: استيراد المادة الخام، ثم تصنيعها محلياً، وتعبئتها، وتخزينها، ونقلها. قد يأتي المدخل من الخارج، لكن الجزء الأكبر من القيمة المضافة والأمان التشغيلي يظل ينبض داخل الاقتصاد الوطني.
سُؤالي لكم :
كيف يعيد مفهوم "امتلاك سلسلة القيمة" تشكيل القوة الاقتصادية للدول الصحراوية، ليتحول التحفظ المائي من عائق جغرافي إلى محرك للابتكار الصناعي والاستثماري؟
---
إخلاء مسؤولية:
المعلومات والتحليلات الواردة في هذه المادة مخصصة لأغراض التوعية والمعرفة العامة فقط، ولا تمثل توجيهاً أو استشارة استثمارية أو مالية أو قانونية مباشرة.
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!