طوّر أربعة من طلاب ماجستير إدارة الأعمال MBA في جامعة اليمامة نموذجًا أوليًا لمنصة تعرض المواقف المتاحة لحظيًا، وتتيح حجزها قبل الوصول إلى الحرم الجامعي، بعدما أظهرت عينة استكشافية أن البحث عن موقف قد يتحول إلى تأخر وضغط يومي.
قبل دقائق من بدء المحاضرة، قد لا يكون السؤال الذي يشغل الطالب: هل أعددت للمحاضرة؟ بل: هل سأجد موقفًا قبل أن يغلق باب القاعة؟
تتكرر هذه اللحظة بصورة أوضح خلال فترات الذروة، ولا سيما بين المحاضرات، وعند وصول طلاب البرامج المسائية إلى الجامعة.
يصل الطالب إلى الحرم الجامعي، ثم يبدأ بالدوران بين المواقف من دون أن يعرف مسبقًا أين توجد المساحة الشاغرة، أو كم سيستغرق البحث عنها.
من هذه التجربة اليومية انطلق أربعة من طلاب برنامج ماجستير إدارة الأعمال في جامعة اليمامة لتطوير مشروع EasyPark24 ضمن مقرر ريادة الأعمال، بإشراف الدكتور ياسر المعلوي.
ويضم الفريق: عبدالرحمن البريدي، وحسن الصبحي، ورائد الذيابي، وراكان العروي. ويقترح مشروعهم منصة رقمية تساعد الطلاب والموظفين والزوار على معرفة المواقف المتاحة وحجز أحدها قبل الوصول، ثم الدخول إليه باستخدام رمز استجابة سريع.
المشكلة ليست في القيادة وحدها
عادة ما يُنظر إلى صعوبة المواقف باعتبارها مسألة تتعلق بعدد المساحات المتاحة. لكن فريق EasyPark24 حاول النظر إلى جانب آخر من المشكلة: غياب المعلومات قبل الوصول.
حتى عندما توجد مساحة شاغرة في جزء من الحرم الجامعي، قد لا يعرف السائق مكانها.
وفي أوقات الذروة، تتحول هذه الفجوة المعلوماتية إلى دقائق من البحث والدوران، وقد تنتهي بالوقوف بعيدًا، أو استخدام مساحة غير مناسبة، أو الوصول متأخرًا إلى المحاضرة أو الاجتماع.
ركّز الفريق بصورة خاصة على الفترة الواقعة بين الساعة 5:30 و6 مساءً، وهي فترة وصول مهمة لطلاب البرامج المسائية، إضافة إلى الفترات القصيرة بين المحاضرات التي تشهد خروج مركبات ودخول أخرى في وقت متقارب.
وهنا يختلف الحل المقترح عن مجرد إضافة مواقف جديدة.
فزيادة الطاقة الاستيعابية تحتاج إلى أرض وإنشاءات وميزانية، بينما يحاول المشروع تحسين استخدام المساحات القائمة عبر إظهار توافرها وتوزيع الطلب عليها بصورة أكثر وضوحًا.
ماذا أظهرت العينة؟
للتحقق الأولي من المشكلة، جمع الفريق إجابات من عشرة مشاركين؛ كان 80% منهم من الطلاب و20% من الموظفين، وكان جميع أفراد العينة يتنقلون إلى الجامعة بالسيارة.
وأفاد تسعة من كل عشرة مشاركين بأنهم يواجهون صعوبة في إيجاد موقف، على الأقل في بعض الأحيان. وقال 80% إنهم يقضون خمس دقائق أو أكثر في البحث خلال الأيام المزدحمة، فيما ذكر 20% أن وقت البحث قد يتجاوز عشرين دقيقة.
كما أفاد 80% بأن مشكلة المواقف تسببت سابقًا في تأخرهم عن محاضرة أو عمل أو اجتماع. ورأى نصف المشاركين أن أكثر الفترات صعوبة تقع بين المحاضرات، تليها أوقات الوصول المسائي والفعاليات الخاصة.
هذه الأرقام لا تمثل جميع طلاب وموظفي جامعة اليمامة؛ فالعينة محدودة واستكشافية، ولا تصلح وحدها لبناء تقدير شامل لحجم المشكلة.
لكنها قدمت للفريق مؤشرًا أوليًا إلى أن صعوبة العثور على الموقف ليست انطباعًا فرديًا، وأنها تستحق اختبار حل عملي.
ماذا يفعل السائق عندما لا يجد موقفًا؟
سأل الفريق المشاركين عن السلوك الذي يلجؤون إليه عندما لا يعثرون على مساحة مناسبة.
قال 80% إنهم يوقفون سياراتهم بعيدًا ثم يكملون الطريق مشيًا، فيما أشار 40% إلى أنهم قد يستخدمون مواقف غير نظامية تحت ضغط الوقت. وقال 20% إنهم يواصلون الدوران والبحث، بينما أفاد 10% بأنهم قد يتخلون عن الزيارة ويعودون أدراجهم.
تكشف هذه الإجابات أن تكلفة المشكلة لا تُقاس بالدقائق وحدها. فالوقوف بعيدًا يعني وقتًا وجهدًا إضافيين، والوقوف بصورة مخالفة يحمل مخاطر تنظيمية، أما الدوران المتكرر فيستهلك الوقود ويزيد الازدحام داخل المواقف.
وعندما سُئل المشاركون عن التغيير الذي يرونه أكثر فائدة، اختار 60% إتاحة معلومات لحظية عن المواقف عبر تطبيق أو شاشة، مقابل 30% فضلوا زيادة عدد المواقف.
ويعني ذلك، ضمن حدود العينة، أن الطلب على المعلومة كان أكبر من الطلب على التوسع المادي في المساحات.
من القلق قبل الوصول إلى موقف مؤكد
يقترح EasyPark24 تغيير رحلة المستخدم منذ اللحظة التي يقرر فيها التوجه إلى الجامعة.
يبدأ المستخدم بتحديد وجهته ووقت وصوله ومغادرته، ثم تظهر أمامه المواقف المتاحة مع معلومات تساعده على المقارنة، مثل المسافة عن المبنى، ووقت المشي، وعدد المساحات المتبقية.
بعد اختيار الموقف، يسجل المستخدم مركبته ويؤكد الحجز. ويحصل بعد ذلك على رمز استجابة سريع يستخدمه عند بوابة الدخول، مع إرشادات تقوده إلى المساحة المحجوزة.
وخلال فترة الوقوف، يعرض النموذج مؤقتًا للجلسة، ويتيح تمديدها عند الحاجة. وعند المغادرة، يستطيع المستخدم مراجعة تجربته أو الإبلاغ عن مشكلة.
وصف الفريق هذه الرحلة بأنها انتقال من عدم اليقين قبل الحجز إلى الثقة بعد تأكيد الموقف. فبدل الوصول أولًا ثم بدء البحث، يعرف المستخدم وجهته قبل أن يدخل الحرم الجامعي.
ماذا تعني «الإتاحة اللحظية»؟
الإتاحة اللحظية، أو Real-time availability، تعني تحديث عدد المواقف الشاغرة بصورة مستمرة وقريبة من وقت حدوث التغيير.
ولكي تتحول هذه الخاصية من تصميم على الشاشة إلى نظام فعلي، تحتاج المنصة إلى وسيلة تعرف من خلالها أن المركبة دخلت الموقف أو غادرته. وقد يتحقق ذلك باستخدام حساسات داخل المساحات، أو كاميرات وأنظمة قراءة، أو بوابات دخول وخروج، أو ربط النظام بسجلات الحجز.
وهذا الجزء لا يظهر للمستخدم عادة، لكنه يمثل البنية التقنية الأساسية للمشروع. فلا تكفي واجهة أنيقة لعرض الأرقام؛ إذ يجب أن تكون المعلومات دقيقة ومحدثة، وإلا قد يصل السائق إلى موقف قيل إنه متاح ثم يجده مشغولًا، فتفقد المنصة أهم عناصر الثقة.
نموذج للاختبار لا نظام للتشغيل
أنشأ الفريق نموذجًا أوليًا عالي الدقة يحاكي تجربة استخدام التطبيق، بدءًا من البحث عن موقف، مرورًا بالمقارنة والحجز والدفع، ووصولًا إلى استخدام رمز الدخول وتمديد الجلسة وتقييم التجربة.
والنموذج الأولي هو نسخة تفاعلية مصممة لاختبار الفكرة وتجربة المستخدم قبل تطوير النظام الكامل. وقد تعرض شاشاته أرقامًا وأسعارًا وأسماء مواقف لأغراض المحاكاة، لكنها لا تمثل بالضرورة خدمة مطبقة أو تسعيرة معتمدة داخل الجامعة.
يعرض النموذج سبع مراحل مترابطة: الصفحة الرئيسة، والبحث، ونتائج المواقف، وتأكيد الحجز، والوصول والدخول، ومتابعة الجلسة، ثم التقييم.
وخلال العرض العملي، أوضح الفريق أن المستخدم يستطيع تسجيل أكثر من مركبة، واختيار وسيلة الدفع، والحصول على رمز يؤكد حجز المساحة، ثم تمديد مدة الوقوف من التطبيق عندما تستغرق المحاضرة أو الزيارة وقتًا أطول من المتوقع.
خمسة مستخدمين يغيّرون التصميم
اختبر الفريق النموذج مع خمسة مستخدمين يمثلون طلابًا وموظفًا وزائرًا وعضو هيئة تدريس. ولم يكن الهدف سؤالهم عمّا إذا كانت الفكرة تعجبهم فقط، بل مراقبتهم أثناء تنفيذ مهام محددة.
وجد أحد الطلاب أن البحث سهل، لكنه لم يعرف أي المواقف متاح للطلاب وأيها مخصص للموظفين أو الزوار. فأضاف الفريق تصنيفات واضحة لكل فئة.
واستطاع مستخدم آخر مقارنة الأسعار، لكنه وجد صعوبة في تصور المسافة بين الموقف والمبنى. لذلك أضيفت خريطة للحرم الجامعي، وتقديرات لمدة المشي، وخيار لترتيب النتائج بحسب المسافة.
أما الزائر، فتمكن من إتمام الحجز، لكنه احتاج إلى معلومات أوضح عن قواعد الوقوف وسياسة الإلغاء، فأضيف ملخص يوضح المدة والتكلفة والسياسات قبل التأكيد.
كما واجه أحد المستخدمين صعوبة في الوصول إلى البوابة الصحيحة وإظهار رمز الاستجابة بسرعة، فاقترح الفريق إضافة صور للمدخل واتجاهات أوضح وزر بارز لإظهار الرمز.
وعند اختبار تمديد الجلسة، ظهر احتياج إلى توضيح التكلفة الإضافية والوقت الجديد قبل الموافقة، فعدّل الفريق شاشة التمديد لتعرض هذه المعلومات بصورة مباشرة.
تكمن قيمة هذه المرحلة في أن التصميم لم يبقَ قائمًا على تصورات الفريق وحده. فقد تحولت ملاحظات المستخدمين إلى تغييرات محددة في الواجهة ومسار الخدمة.
ملاحظة من المشرف: اسألوا العملاء أكثر
أشاد الدكتور ياسر المعلوي بتصميم المشروع وسهولة استخدامه، واعتبر أن مشكلة المواقف معروفة لدى مستخدمي الحرم الجامعي.
لكنه أشار إلى أن الفريق كان سيستفيد أكثر من توسيع الحوار مع العملاء المحتملين، وسؤالهم مباشرة عن تقييم الحل والخصائص الإضافية التي يحتاجون إليها.
وتضع هذه الملاحظة المشروع أمام فرق مهم في ريادة الأعمال: التحقق من وجود المشكلة لا يساوي التحقق من الحل.
قد يتفق المستخدمون على أن العثور على موقف يمثل مشكلة، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنهم يفضلون الحجز المسبق، أو يقبلون الدفع، أو يرغبون في تخصيص المواقف بهذه الآلية. ولهذا يحتاج المشروع في مرحلته التالية إلى اختبار أسئلة أكثر تحديدًا، مثل معدل الاستخدام المتوقع، ومدة الحجز المناسبة، وكيفية التعامل مع عدم حضور صاحب الحجز، ومدى قبول المستخدمين لنظام الرسوم إن طُبق.
من الجامعة إلى المستشفيات والمجمعات
يرى الفريق أن المشكلة لا تقتصر على الحرم الجامعي، بل تظهر في كل موقع يجمع بين عدد ثابت من المواقف وطلب مرتفع خلال ساعات محددة.
ولهذا اقترح إمكانية تطوير الفكرة لاحقًا لتخدم الجامعات، والمكاتب، والمستشفيات، ومراكز التسوق.
ويُعرف هذا في ريادة الأعمال باسم قابلية التوسع؛ أي إمكانية نقل المنتج إلى عدد أكبر من المستخدمين أو الأسواق من دون إعادة بنائه من الصفر في كل مرة.
لكن التوسع الفعلي يتطلب أولًا إثبات نجاح النموذج في بيئة محددة. فأنظمة المواقف ترتبط بالبنية التحتية والبوابات والأمن والدفع وحماية البيانات، كما تختلف احتياجات الطالب عن احتياجات المريض أو موظف الشركة أو زائر المجمع التجاري.
ماذا تحتاج الفكرة قبل التطبيق؟
يمثل EasyPark24 تصورًا واضحًا لتجربة المستخدم، لكنه يحتاج إلى عدد من الخطوات قبل التحول إلى خدمة تشغيلية.
يحتاج المشروع إلى حصر دقيق للمواقف وتصنيفاتها، وتحديد آلية معرفة المساحات الشاغرة، وربط المنصة ببوابات الدخول وهوية المستخدم، ووضع سياسات للحجز والإلغاء وعدم الحضور.
كما ينبغي دراسة أثر تخصيص مساحة لشخص لم يصل بعد، في وقت قد ينتظر فيه سائق آخر عند البوابة. فالحجز قد يحسن اليقين لدى مستخدم، لكنه قد يقلل كفاءة الاستفادة من الموقف إذا لم تُصمم قواعده بعناية.
ويحتاج الفريق أيضًا إلى تجربة ميدانية على نطاق محدود، تقارن بين الوضع قبل التطبيق وبعده، وتقيس مؤشرات مثل متوسط زمن البحث عن موقف، ونسبة الوصول المتأخر، ودقة بيانات الإشغال، وعدد الحجوزات غير المستخدمة.
عندها يمكن تقييم المشروع بناء على أثره الحقيقي، لا على سهولة استخدام واجهته وحدها.
ومع ذلك، يقدم EasyPark24 درسًا مهمًا في ريادة الأعمال: الابتكار لا يبدأ دائمًا من مشكلة ضخمة أو تقنية غير مسبوقة. قد يبدأ من دقائق يضيعها الطالب كل مساء، ثم من سؤال بسيط: ماذا لو عرف مكانه قبل أن يصل؟
التعليقات (9)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!