تخيل أنك تتابع سهمًا في السوق المالية السعودية، ولاحظت انخفاض سعره إلى مستوى مناسب للشراء.

تفتح تطبيق التداول، وتراجع السعر، وتحدد الكمية، ثم تضغط زر الشراء.

قد تستغرق هذه العملية عدة ثوانٍ.

لكن في اللحظة نفسها، يوجد نظام حاسوبي يراقب حركة السعر، ويحلل أوامر البيع والشراء، ويقرر ما إذا كان سينفذ صفقة أو يعدّل أمرًا قائمًا، وكل ذلك دون انتظار تدخل بشري عند كل عملية.

في بعض أنظمة التداول المتقدمة، يمكن أن تحدث هذه العمليات خلال أجزاء صغيرة جدًا من الثانية.

هنا يظهر أحد أهم التحولات في الأسواق المالية الحديثة: لم يعد جميع المشاركين في السوق يتخذون قرارات التداول بالطريقة نفسها أو بالسرعة نفسها.

فبينما يعتمد المستثمر التقليدي على التحليل واتخاذ القرار يدويًا، تستخدم مؤسسات مالية أنظمة تستطيع معالجة المعلومات وإرسال الأوامر بصورة آلية.

وتُعرف هذه الممارسة باسم التداولات الخوارزمية (Algorithmic Trading).

وقد أصبحت جزءًا من البنية التشغيلية لأسواق مالية عالمية، وفي مقدمتها السوق الأمريكية، قبل أن يتوسع استخدامها في أسواق أخرى، ومنها السوق السعودية.

لكن انتشار هذه التقنية يطرح أسئلة اقتصادية وتنظيمية مهمة: هل تجعل التداول أكثر كفاءة؟ وهل تمنح المؤسسات الكبيرة ميزة على المستثمر الفرد؟ وهل يمكن أن تؤثر في أسعار الأسهم والسيولة؟

هذه الأسئلة تفسر أهمية المشروع الذي طرحته هيئة السوق المالية السعودية في سبتمبر 2026 لتنظيم التداولات الخوارزمية.

أولًا: ما المقصود بالتداولات الخوارزمية؟

التداول الخوارزمي هو استخدام برنامج حاسوبي لإرسال أوامر شراء أو بيع الأوراق المالية وإدارتها بصورة آلية، وفق قواعد ومعايير محددة مسبقًا.

ولفهم هذا التعريف، ينبغي أن نبدأ بمعنى كلمة «خوارزمية».

الخوارزمية (Algorithm) هي مجموعة من الخطوات المنطقية التي يتبعها الحاسوب لإنجاز مهمة معينة.

على سبيل المثال، يمكن برمجة نظام تداول وفق التعليمات التالية:

إذا انخفض سعر سهم معين إلى مستوى محدد، وكانت كمية الأسهم المعروضة للبيع مناسبة، فأرسل أمر شراء بالكمية المطلوبة.

وإذا ارتفع السعر إلى مستوى آخر، فأرسل أمر بيع.

هذه صورة مبسطة لخوارزمية تداول.

لكن الأنظمة المستخدمة لدى المؤسسات المالية قد تكون أكثر تعقيدًا، إذ تستطيع تحليل بيانات الأسعار وأحجام التداول وفروق العرض والطلب، وتنفيذ استراتيجيات تعتمد على مجموعة كبيرة من المتغيرات.

والفارق الأساسي بين التداول اليدوي والتداول الخوارزمي هو أن الإنسان يحدد قرارات التداول وينفذها بنفسه في الحالة الأولى، بينما ينفذ البرنامج تعليمات محددة مسبقًا في الحالة الثانية.

ولا يعني ذلك أن الحاسوب يتخذ دائمًا قرارات استثمارية مستقلة؛ فقد يحدد مدير الاستثمار هدف الصفقة، ويترك للنظام مهمة اختيار توقيت التنفيذ وكيفيته.

هل التداول الخوارزمي هو نفسه التداول عالي التردد؟

رغم ارتباط المصطلحين، فإنهما لا يعنيان الشيء نفسه.

التداول الخوارزمي مفهوم واسع يشمل مختلف استراتيجيات التداول التي تعتمد على الأوامر الآلية.

أما التداول عالي التردد (High-Frequency Trading – HFT) فهو نوع متخصص من التداول الخوارزمي، يعتمد عادة على سرعات تنفيذ مرتفعة جدًا، وإرسال أعداد كبيرة من الأوامر وتعديلها أو إلغائها خلال فترات زمنية قصيرة.

وللتوضيح، يمكن لصندوق استثماري استخدام خوارزمية لتوزيع عملية شراء كبيرة على عدة ساعات، دون أن يكون هدفه تحقيق أرباح من تغيرات الأسعار خلال أجزاء الثانية.

وفي المقابل، قد تستخدم شركة تداول عالي التردد خوارزمية تستهدف الاستفادة من فروق سعرية صغيرة جدًا، وقد تحتفظ بمراكزها الاستثمارية لفترات قصيرة.

إذن، كل تداول عالي التردد هو تداول خوارزمي، لكن ليس كل تداول خوارزمي عالي التردد.

وهذا التمييز تؤكده الدراسات الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، التي تشير إلى أن الخوارزميات تُستخدم أيضًا لتنفيذ الأوامر الكبيرة للمستثمرين المؤسسيين، وليس للمضاربة السريعة وحدها.

ثانيًا: لماذا تستخدم المؤسسات المالية الخوارزميات؟

لفهم الجدوى الاقتصادية من التداول الخوارزمي، لنفترض أن صندوقًا استثماريًا يرغب في شراء 100 ألف سهم من شركة مدرجة.

إذا أدخل الصندوق أمر شراء بكامل الكمية مرة واحدة، فقد لا تتوافر أسهم كافية بالسعر الحالي.

وقد يضطر إلى الشراء من عدة مستويات سعرية، بما يؤدي إلى ارتفاع متوسط تكلفة الشراء.

هذه المشكلة ترتبط بمفهوم اقتصادي يسمى أثر الصفقة على السعر (Market Impact).

ويقصد به مقدار التغير في سعر الورقة المالية الناتج عن تنفيذ أمر تداول، خصوصًا عندما تكون الكمية كبيرة مقارنة بالسيولة المتاحة.

يمكن للخوارزمية معالجة هذه المشكلة من خلال تقسيم الأمر الكبير إلى أوامر أصغر، وتوزيعها على فترات زمنية مختلفة.

فبدلًا من شراء 100 ألف سهم دفعة واحدة، قد يوزع النظام الشراء على عشرات أو مئات الأوامر الصغيرة، وفق حركة السوق.

والهدف هنا ليس بالضرورة تحقيق أرباح مضاربية سريعة، بل تقليل تكلفة تنفيذ الصفقة والحد من تأثيرها في السعر.

وهذا أحد الأسباب التي تدفع المؤسسات الاستثمارية إلى استخدام الخوارزميات.

لكن توجد استخدامات أخرى، من بينها متابعة الأسعار بصورة مستمرة، والاستجابة لتغيرات العرض والطلب، وإدارة مخاطر التداول، والاستفادة من الفروق السعرية بين الأدوات المالية المرتبطة ببعضها.

كيف تحقق الخوارزميات أرباحًا؟

بعض استراتيجيات التداول الخوارزمي تستفيد من فروق الأسعار الصغيرة.

لنفترض أن أفضل سعر شراء لسهم معين يبلغ 19.98 ريال، بينما أفضل سعر بيع معروض يبلغ 20.02 ريال.

الفارق بين السعرين يساوي أربع هللات.

ويُسمى هذا الفارق هامش العرض والطلب (Bid-Ask Spread).

قد تعمل بعض استراتيجيات صناعة السوق على وضع أوامر شراء وبيع والاستفادة من هذا الهامش عند تنفيذ الطرفين، مع تحمل مخاطر تغير السعر والمخزون والعمولات.

وعندما تتكرر عمليات التداول بأحجام كبيرة، قد تصبح الفروق السعرية الصغيرة ذات أهمية اقتصادية.

لكن هذه العمليات ليست مضمونة الربح؛ فقد يتحرك السعر بصورة غير متوقعة، أو يفشل النظام في تنفيذ أحد طرفي الصفقة، أو تتجاوز تكاليف التداول العائد المتوقع.

ولهذا فإن السرعة وحدها لا تكفي لتحقيق الأرباح.

ثالثًا: ما حجم التداولات الخوارزمية في السوق السعودية؟

لم تعد التداولات الآلية ظاهرة مقتصرة على الأسواق الأمريكية والأوروبية.

فقد توسع استخدامها في السوق المالية السعودية بالتزامن مع تطوير البنية التقنية للتداول، ونمو مشاركة المؤسسات المالية المحلية والدولية.

وتوفر التقارير السنوية لمجموعة تداول السعودية مؤشرات على هذا التحول.

فوفق التقرير السنوي للمجموعة لعام 2024، بلغت مساهمة عملاء التداول عالي التردد نحو 25% من متوسط التداول اليومي، مع ارتفاعها خلال بعض أيام النشاط المكثف.

وتكتسب هذه النسبة أهميتها من أنها توضح أن التداول عالي التردد أصبح جزءًا ملموسًا من نشاط السوق السعودية.

لكن من الضروري الانتباه إلى نقطتين.

الأولى أن البيانات تعود إلى عام 2024، ولا يصح اعتبارها قياسًا مباشرًا لحجم التداولات الخوارزمية في أكتوبر 2026.

والثانية أن المؤشر يتعلق بعملاء التداول عالي التردد، وليس بجميع أنواع التداول الخوارزمي؛ لأن التداول الآلي يشمل استراتيجيات أخرى لا تعتمد بالضرورة على السرعة الفائقة.

ولذلك فإن القول إن ربع السوق السعودية «تسيطر عليه الروبوتات» سيكون تبسيطًا غير دقيق.

الأصح أن نقول إن التداولات المعتمدة على الخوارزميات أصبحت عنصرًا مهمًا في نشاط السوق، وإن قياس حجمها يتطلب التمييز بين أنواع الاستراتيجيات المستخدمة.

من يستخدم هذه الأنظمة؟

تستخدم الخوارزميات فئات متعددة من المؤسسات، مثل شركات الاستثمار والوساطة ومديري الأصول وصناع السوق وشركات التداول المتخصصة.

وفي أكتوبر 2026، أوضح رئيس مجلس هيئة السوق المالية، مازن السديري، خلال مقابلة مع «العربية Business»، أن المؤسسات المالية الأجنبية هي الأكثر استخدامًا للخوارزميات في السوق السعودية.

وربط السديري متابعة هذه التداولات بأهمية المحافظة على العدالة بين فئات المستثمرين.

ولا يعني ذلك أن المؤسسات الأجنبية ترتكب مخالفات بمجرد استخدام هذه التقنيات؛ فالتداول الخوارزمي ممارسة مالية مشروعة، وتكمن المسألة التنظيمية في كيفية استخدام التقنية وتأثيرها في السوق.

رابعًا: لماذا تتدخل هيئة السوق المالية لتنظيم التداولات الخوارزمية؟

في 24 سبتمبر 2026، أعلنت هيئة السوق المالية السعودية طرح مشروع أحكام تنظيمية تتعلق بالقيود على التداولات الخوارزمية.

وفتحت الهيئة باب استطلاع آراء العموم لمدة 30 يومًا، تنتهي في 24 أكتوبر 2026.

ويهدف المشروع، بحسب الهيئة، إلى تطوير الضوابط المنظمة للتداولات الخوارزمية وتعزيز سلامتها وكفاءتها، مع الحد من الآثار السلبية المحتملة على السوق.

لكن لفهم أهمية هذه الخطوة، يجب التعرف أولًا إلى الفرق بين الأمر المرسل إلى السوق والصفقة المنفذة فعلًا.

فعندما يرسل المستثمر أمر شراء، لا يعني ذلك بالضرورة أن عملية الشراء تمت.

قد يبقى الأمر معلقًا، أو يُعدَّل سعره أو كميته، أو يُلغى قبل تنفيذه.

والأمر نفسه ينطبق على أوامر البيع.

في الأسواق الحديثة، تستطيع الأنظمة الخوارزمية إدخال أعداد كبيرة من الأوامر وتعديلها وإلغائها خلال فترات قصيرة.

وقد يظل عدد الصفقات المنفذة فعليًا أقل بكثير من عدد الرسائل والأوامر التي تستقبلها أنظمة السوق.

هنا تبرز المشكلة التنظيمية: هل يعكس العدد الكبير من الأوامر اهتمامًا حقيقيًا بالبيع والشراء، أم أنه مجرد نشاط آلي كثيف لا يتحول بالضرورة إلى تداول فعلي؟

لا يمكن تحديد الإجابة من عدد الأوامر وحده، لكن متابعة العلاقة بين الأوامر والصفقات تساعد الجهات التنظيمية على تقييم نشاط التداول.

ما المقصود بحدّ 20 أمرًا؟

يتضمن المشروع السعودي المقترح ألا يتجاوز معدل الأوامر الخوارزمية إلى الصفقات المنفذة حدًا مقداره 20 أمرًا مقابل كل صفقة منفذة، وفق طريقة الاحتساب المحددة في مسودة المشروع.

وهذا لا يعني أن النظام ممنوع من إرسال أكثر من 20 أمرًا خلال اليوم، ولا يعني أنه يجب ألا يرسل 20 أمرًا دفعة واحدة.

بل يتعلق بقياس كثافة الأوامر مقارنة بالصفقات التي تُنفذ بالفعل.

ولتقريب الفكرة، إذا أدخل نظام تداول ألف أمر على سهم معين خلال يوم تداول، ونُفذت 40 صفقة، فإن القسمة المبسطة تعطينا:

1,000 أمر ÷ 40 صفقة = 25 أمرًا لكل صفقة.

وهذا أعلى من الحد المقترح.

أما إذا أدخل النظام ألف أمر ونُفذت 100 صفقة، فإن المعدل المبسط يصبح:

1,000 أمر ÷ 100 صفقة = 10 أوامر لكل صفقة.

وهذا أقل من الحد المقترح.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذين المثالين للتوضيح التعليمي فقط.

فالمعادلة الواردة في مسودة هيئة السوق المالية أكثر تفصيلًا، إذ تأخذ في الاعتبار الأوامر المدخلة والمعدلة والملغاة، وتعطي الأوامر المعدلة وزنًا مضاعفًا ضمن عملية الاحتساب.

وبالتالي، لا يكفي الاعتماد على قسمة عدد الأوامر الجديدة على عدد الصفقات لتحديد الامتثال الفعلي للضوابط.

وتُطبق القيود المقترحة على الأوراق المالية المدرجة في السوق الرئيسية، باستثناء الأوراق المصنفة ضمن فئة «سيولة عالية جدًا».

كما يُحتسب المعدل على مستوى كل متداول مسجل لدى السوق ومسؤول عن أنشطة التداول الخاصة بعضو السوق وعملائه.

وتتضمن المسودة أيضًا متطلبات لاختبار الخوارزميات ومراقبتها، والقدرة على إيقاف تشغيلها عند الضرورة، والاحتفاظ بالسجلات ذات الصلة.

ووفق الإعلان الرسمي، فإن موعد بدء العمل بالأحكام النهائية المستهدف هو 1 نوفمبر 2026، بعد دراسة المرئيات واعتماد الصيغة النهائية.

خامسًا: ما علاقة التداولات الخوارزمية بسيولة الأسهم؟

تُعد السيولة من أهم المفاهيم الاقتصادية المرتبطة بالتداول.

ويقصد بسيولة السهم مدى سهولة شرائه أو بيعه خلال وقت مناسب وبسعر قريب من السعر السائد، دون أن تؤدي الصفقة إلى تغير كبير في السعر.

ولتوضيح ذلك، لنتخيل سهمين في السوق.

السهم الأول تشهد عليه عمليات شراء وبيع مستمرة، وتوجد كميات كبيرة معروضة عند مستويات سعرية متقاربة.

أما السهم الثاني، فلا تتوافر عليه إلا كميات محدودة، وقد يفصل بين سعر الشراء وسعر البيع فرق كبير.

في الحالة الأولى، تكون السيولة أعلى عادة.

وفي الحالة الثانية، تكون السيولة أقل.

والسؤال هنا: ما علاقة الخوارزميات؟

يمكن لبعض الأنظمة الخوارزمية زيادة السيولة من خلال تقديم أوامر شراء وبيع بصورة مستمرة، وهو ما قد يسهم في تقليص الفارق بين أفضل سعر شراء وأفضل سعر بيع.

لكن بعض الاستراتيجيات قد تسحب أوامرها بسرعة عندما ترتفع التقلبات أو تتغير ظروف السوق.

وحينها يمكن أن تتراجع السيولة المتاحة، خصوصًا في الأسهم التي تعاني أصلًا من ضعف التداول.

ولهذا لا يمكن الحكم بأن التداول الخوارزمي يزيد السيولة دائمًا أو يخفضها دائمًا.

فالأثر يعتمد على نوع الخوارزمية، واستراتيجية التداول، ودرجة سيولة السهم، والظروف التي تمر بها السوق.

وتدعم هذه النتيجة دراسة بحثية نشرها بنك التسويات الدولية في نوفمبر 2024، تناولت تطور السيولة في الأسواق المالية خلال 25 عامًا.

وأظهرت الدراسة أن التداول الخوارزمي، إلى جانب عوامل أخرى مثل تجزؤ الأسواق، يرتبط بانخفاض متوسط الفروق بين أسعار العرض والطلب، لكنه قد يترافق أيضًا مع ارتفاع هشاشة السيولة في بعض الظروف.

والمقصود بهشاشة السيولة أن السوق قد تبدو قادرة على استيعاب التداولات بصورة جيدة في الأوقات العادية، لكنها تصبح أقل قدرة على ذلك عندما تشتد الضغوط.

سادسًا: هل تستطيع الخوارزميات التأثير في أسعار الأسهم؟

نعم، يمكن للتداولات الخوارزمية التأثير في حركة الأسعار، شأنها شأن التداولات الأخرى.

لكن درجة التأثير تختلف بحسب حجم الأوامر، وسيولة السهم، وطبيعة الاستراتيجية المستخدمة.

لفهم المسألة، لنفترض أن سهمًا منخفض السيولة شهد زيادة مفاجئة في أوامر الشراء.

قد تدفع هذه الطلبات السعر إلى الارتفاع إذا لم تتوافر كميات بيع كافية عند الأسعار الحالية.

وإذا كانت الأوامر كبيرة أو متتابعة بصورة سريعة، فقد تصبح حركة السعر أكثر حدة.

لكن هذا لا يعني أن كل ارتفاع سريع أو انخفاض مفاجئ سببه التداول الخوارزمي.

فأسعار الأسهم تتأثر أيضًا بأرباح الشركات، والأخبار الاقتصادية، وأسعار الفائدة، والتوقعات المستقبلية، وتغير شهية المستثمرين للمخاطرة.

هل يمكن استخدام الخوارزميات للتلاعب؟

يمكن استخدام الأنظمة الآلية في ممارسات غير مشروعة إذا صُممت لتنفيذ سلوكيات تلاعبية.

ومن الأمثلة المعروفة عالميًا ممارسة تسمى التلاعب بالأوامر الوهمية (Spoofing).

وتحدث عندما يضع متداول أوامر شراء أو بيع لا ينوي تنفيذها أصلًا، بهدف إعطاء انطباع مضلل بوجود طلب أو عرض كبير.

وقد يؤثر هذا السلوك في قرارات المتداولين الآخرين قبل إلغاء الأوامر.

وقد أعلنت هيئة الأوراق المالية الأمريكية في قضايا سابقة إجراءات ضد جهات استخدمت أوامر غير حقيقية للتأثير في الأسعار وإرسال إشارات مضللة للمشاركين في السوق.

لكن من الضروري التفريق بين أمرين.

إلغاء أمر التداول ليس في حد ذاته دليلًا على التلاعب.

فقد يلغي المستثمر أمره لأن السعر تغير أو لأنه عدّل قراره.

أما التلاعب فيرتبط بطبيعة السلوك والقصد والظروف المحيطة به ومدى مخالفته للقواعد المنظمة للسوق.

ولهذا فإن متابعة كثافة الأوامر وحدها لا تكفي لإثبات وجود تلاعب، لكنها قد تكون إحدى أدوات الرقابة.

سابعًا: هل تواجه الأسواق العالمية المشكلة نفسها؟

الاهتمام بتنظيم التداولات الخوارزمية ليس ظاهرة سعودية منفردة.

فقد أصبحت الأنظمة الآلية جزءًا أساسيًا من الأسواق المالية العالمية، ما دفع الجهات التنظيمية إلى تطوير قواعد لإدارة المخاطر الناشئة عنها.

التجربة الأمريكية

شهدت الأسواق الأمريكية توسعًا مبكرًا في استخدام أنظمة التداول الآلي وعالي التردد.

وقد ناقشت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية منذ سنوات الآثار المحتملة لهذه الأنظمة على السيولة وعدالة الوصول إلى السوق.

ومن القضايا التي تناولتها الهيئة قدرة بعض الشركات على الوصول إلى البيانات وتنفيذ الأوامر بسرعات أعلى من غيرها، وإمكانية أن تؤدي بعض الاستراتيجيات إلى زيادة التقلبات أو الإضرار بالمستثمرين.

لكن الهيئة أشارت أيضًا إلى أن الأنظمة الخوارزمية تقدم فوائد، منها تحسين تنفيذ الأوامر وخفض بعض تكاليف التداول.

وهذا يوضح أن القضية ليست الاختيار بين التداول البشري والتداول الآلي، وإنما وضع قواعد تضمن استخدام التقنية بصورة فعالة ومنظمة.

التجربة الأوروبية

في الاتحاد الأوروبي، تتضمن قواعد الأسواق المالية المعروفة باسم MiFID II متطلبات خاصة بالشركات التي تستخدم التداول الخوارزمي.

ومن أبرزها وجود أنظمة فعالة لإدارة المخاطر، واختبار برامج التداول، ومنع إرسال الأوامر الخاطئة، ومراقبة الأنظمة للحد من احتمالات اضطراب السوق.

كما تتضمن الأطر الأوروبية مفهوم نسبة الأوامر إلى الصفقات، الذي يساعد على متابعة كثافة نشاط التداول.

ولا يعني ذلك أن القواعد الأوروبية تطبق بالضرورة حدًا موحدًا مماثلًا للمقترح السعودي؛ إذ تختلف طرق الاحتساب والتطبيق بين الأنظمة والأسواق.

وتوضح التجربتان الأمريكية والأوروبية أن التنظيم يتطور مع تطور تقنيات التداول، وأن التحدي الأساسي يتمثل في المحافظة على فوائد الابتكار مع الحد من مخاطره.

ثامنًا: كيف يمكن أن يؤثر التنظيم السعودي في المستثمرين؟

يمكن تحليل الآثار المحتملة للمشروع السعودي من خلال ثلاثة جوانب اقتصادية مترابطة.

1. تعزيز جودة الأوامر

قد يدفع وضع حد لكثافة الأوامر المؤسسات المستخدمة للخوارزميات إلى تحسين طريقة إدارة أوامرها، والحد من الرسائل التي لا تحقق فائدة واضحة في تنفيذ الصفقات.

وقد يساعد ذلك على جعل نشاط التداول أكثر كفاءة.

لكن انخفاض عدد الأوامر وحده لا يثبت تحسن جودة السوق، إذ ينبغي معرفة ما إذا كانت الأوامر الملغاة غير مفيدة فعلًا أم أنها جزء طبيعي من توفير السيولة.

2. التأثير في السيولة

إذا أدى التنظيم إلى تقليل الأوامر المفرطة دون التأثير في عروض الشراء والبيع الحقيقية، فقد تتحسن كفاءة التداول.

لكن إذا دفع بعض المشاركين إلى تقليل نشاطهم في أسهم معينة، فقد تتراجع السيولة المتاحة.

ولذلك فإن تقييم نجاح المشروع يتطلب متابعة النتائج بعد التطبيق، وعدم الاكتفاء بقياس انخفاض عدد الأوامر.

3. تعزيز الثقة وعدالة السوق

تُعد الثقة عنصرًا مهمًا في عمل الأسواق المالية.

فالمستثمر يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن الأسعار تتكون وفق قواعد واضحة، وأن الجهات التنظيمية تراقب الممارسات التي قد تؤثر في نزاهة التداول.

وقد يسهم التنظيم في تعزيز هذه الثقة عبر تطوير أنظمة الرقابة والاختبار والامتثال.

لكن عدالة السوق لا تعني بالضرورة أن جميع المستثمرين يمتلكون الأدوات التقنية نفسها.

فالاختلاف في الموارد والخبرات وسرعة الوصول إلى المعلومات موجود في معظم الأسواق.

ويتمثل دور التنظيم في الحد من الممارسات الضارة، وضمان الالتزام بالقواعد، وتعزيز المنافسة والنزاهة.

تاسعًا: كيف يمكن قياس نجاح تنظيم التداولات الخوارزمية؟

من الناحية العلمية، لا يكفي القول إن التنظيم نجح لأنه خفّض عدد الأوامر المرسلة إلى السوق.

بل ينبغي دراسة أثره في جودة التداول.

ومن المؤشرات المهمة هنا هامش العرض والطلب؛ فإذا انخفض الفرق بين أفضل سعر شراء وأفضل سعر بيع، فقد يشير ذلك إلى انخفاض تكلفة التداول.

وهناك أيضًا عمق السوق، ويقصد به حجم الكميات المتاحة للبيع والشراء عند مستويات الأسعار المختلفة.

فكلما زادت الكميات التي يمكن تداولها دون إحداث تغير كبير في السعر، دلّ ذلك عادة على قدرة أفضل للسوق على استيعاب الصفقات.

أما التقلب السعري فيقيس درجة تغير الأسعار خلال فترة معينة، لكنه يحتاج إلى تفسير حذر، لأن ارتفاعه قد ينتج عن أخبار اقتصادية أو تغيرات حقيقية في التوقعات وليس عن الخوارزميات وحدها.

كذلك ينبغي متابعة تكلفة تنفيذ الأوامر، وسرعة تنفيذ الصفقات، وعدد الأوامر المعدلة والملغاة.

والأفضل إجراء مقارنة بين هذه المؤشرات قبل تطبيق التنظيم وبعده، مع مراعاة تغير ظروف السوق.

ويمكن الاستفادة من استثناء الأسهم المصنفة ضمن فئة السيولة العالية جدًا عند تصميم دراسة مقارنة، لكن هذه المقارنة وحدها لا تكفي لإثبات أثر سببي؛ فقد تختلف الأسهم المشمولة والمستثناة في خصائص مهمة أخرى.

وبذلك يمكن تقييم ما إذا كان التنظيم قد حقق توازنًا بين تقليل مخاطر التداولات الآلية والمحافظة على السيولة وكفاءة السوق.

عاشرًا: هل يستطيع المستثمر الفرد منافسة الخوارزميات؟

هنا نصل إلى سؤال يهم شريحة واسعة من المستثمرين.

إذا كانت بعض المؤسسات تمتلك أنظمة تستطيع تحليل المعلومات وتنفيذ الأوامر خلال أجزاء صغيرة من الثانية، فكيف يمكن للمستثمر الفرد أن ينافسها؟

تعتمد الإجابة على طبيعة المنافسة.

إذا حاول المستثمر الفرد التفوق على نظام عالي التردد في سرعة قراءة تغيرات الأسعار وتنفيذ الأوامر، فقد يواجه فجوة تقنية واضحة.

فالأنظمة المتخصصة قد تمتلك بنية تقنية واتصالات فائقة السرعة، يصعب على المستثمر الفرد مجاراتها.

لكن الاستثمار لا يعتمد على السرعة وحدها.

فالمستثمر الذي يسعى إلى امتلاك أسهم شركة لعدة سنوات يختلف هدفه عن متداول يحاول الاستفادة من تغير سعري صغير خلال أجزاء الثانية.

الأول قد يركز على نمو أرباح الشركة، وجودة إدارتها، ومركزها المالي، وقدرتها على توزيع الأرباح مستقبلًا.

أما الثاني فقد يركز على فروق الأسعار وتوقيت تنفيذ الصفقات.

ولذلك فإنهما لا يتنافسان بالضرورة في المجال نفسه.

لماذا يمثل الزمن عاملًا مهمًا؟

تظهر هنا أهمية مفهوم الأفق الاستثماري (Investment Horizon).

وهو الفترة الزمنية التي يخطط المستثمر للاحتفاظ خلالها باستثماره قبل بيعه أو استخدام الأموال المستثمرة.

قد يكون الأفق الاستثماري قصيرًا يمتد من دقائق إلى أيام، أو طويلًا يمتد لسنوات.

وكلما اختلف الأفق الاستثماري، اختلفت المعايير التي يستخدمها المستثمر لتقييم الفرص والمخاطر.

فالتغيرات السعرية الصغيرة التي تستهدفها بعض أنظمة التداول عالي التردد قد لا تكون ذات أهمية مماثلة لمستثمر يدرس قدرة الشركة على زيادة أرباحها خلال خمس سنوات.

لكن هذا لا يعني أن الاستثمار طويل الأجل مضمون الربح، أو أن الاحتفاظ بأي سهم مدة طويلة يؤدي بالضرورة إلى تحقيق عائد إيجابي.

فالانتظار لا يصنع قيمة اقتصادية للشركة من تلقاء نفسه.

تكمن أهمية الأفق الطويل في أنه يتيح للمستثمر اتخاذ قراراته وفق أساسيات الشركات وأهدافه المالية، بدلًا من محاولة مجاراة كل حركة سعرية قصيرة.

ولهذا يمكن إعادة صياغة فكرة المنافسة بين الإنسان والآلة بصورة أكثر دقة:

لا يحتاج المستثمر إلى أن يكون أسرع من الخوارزمية؛ بل يحتاج إلى استراتيجية استثمارية تناسب أهدافه وقدرته على تحمل المخاطر.

كيف نوازن بين سرعة التقنية وعدالة السوق؟

تكشف التداولات الخوارزمية عن تحول مهم في طبيعة الأسواق المالية.

فالتقنية لم تعد مجرد وسيلة لإرسال أوامر البيع والشراء، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في كيفية تنفيذ الصفقات وتوفير السيولة وتكوين الأسعار.

وقد أسهمت الخوارزميات في تطوير أساليب التداول وخفض بعض تكاليف التنفيذ، لكنها أوجدت أيضًا تحديات تتعلق بكثافة الأوامر، وسرعة الاستجابة، والرقابة على الأنظمة الآلية.

وفي هذا السياق، يأتي مشروع هيئة السوق المالية السعودية لتنظيم التداولات الخوارزمية بوصفه محاولة لتطوير القواعد بما يواكب التقدم التقني في السوق.

ولا يمكن الجزم مسبقًا بأن الحد المقترح سيؤدي إلى تحسن السيولة أو تراجع التقلبات، لأن هذه النتائج تعتمد على سلوك المشاركين وظروف التداول وطريقة تطبيق القواعد.

لكن المؤكد أن تنظيم الأسواق المالية لا يقتصر على وضع حدود للتداول، بل يشمل بناء بيئة يستطيع المستثمرون العمل فيها وفق قواعد واضحة، وتستطيع المؤسسات توظيف التقنيات الحديثة فيها دون الإضرار بكفاءة السوق أو نزاهتها.

وبالنسبة إلى طالب الاقتصاد، تقدم هذه القضية مثالًا عمليًا على التفاعل بين ثلاثة عناصر أساسية: التقدم التقني، وكفاءة الأسواق، والتنظيم الاقتصادي.

أما بالنسبة إلى المستثمر الفرد، فإن الدرس الأهم هو أن نجاح الاستثمار لا يتطلب بالضرورة الفوز في سباق السرعة مع الآلات.

فقد تكون لدى الخوارزمية قدرة على تنفيذ آلاف التعليمات خلال وقت قصير، لكن اتخاذ قرار استثماري جيد يظل مرتبطًا بفهم قيمة الأصل، وتقييم مخاطره، واختيار الأفق الزمني المناسب.

فالخوارزمية قد تتفوق في سرعة تنفيذ القرار، لكنها لا تلغي أهمية جودة القرار نفسه.