ما الذي يحدث؟
انتشرت في الأشهر الأخيرة موجة تُعرف بـ«الميكرودراما». مسلسلات قصيرة، لا تتجاوز الحلقة فيها دقيقتين، صُممت لتُشاهَد على الهاتف رأسيًا.
والجديد أن كثيرًا منها لم يعد يُصوَّر أصلًا. الذكاء الاصطناعي يصنعه من أوله إلى آخره.
والصين في الصدارة. ففي الربع الأول من 2026 صدر نحو 128 ألف مسلسل قصير، أكثر من 95% منها مولَّد بالذكاء الاصطناعي.
وبرز من بينها فيلم قصير بعنوان «وحش الأم»، تقول شركته المنتجة «زيتومايت» إن إنتاجه استغرق أقل من 72 ساعة بتكلفة لم تتجاوز ألفي دولار، واقتربت مشاهدات مقاطعه المعاد نشرها من مليار مشاهدة.
ولم تبق الموجة حبيسة الهاتف. ففي 31 أغسطس عُرض في الصين مسلسل «The Later Journey to the West»، أول عمل تلفزيوني طويل مولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، فارتفع سهم الشركة المنتجة «مانغو إكسلنت ميديا» بنسبة 64%، بحسب بلومبرغ.
كيف تُصنع؟
الفكرة بسيطة في ظاهرها. يكتب صاحب العمل القصة ويصف المشاهد، ثم تتولى النماذج توليد الشخصيات والحركة والصوت والخلفيات.
وأشهر الأدوات نموذج Seedance 2.0 من شركة ByteDance، المالكة لتيك توك، الذي أُطلق في فبراير 2026 وفاق ما توقعه السوق من حيث الواقعية.
والتكلفة هي ما قلب الطاولة. الدقيقة الواحدة تكلف نحو 30 دولارًا، أي أن عملًا مدته خمسون دقيقة يُنتَج بحدود 1500 دولار خلال أسبوع، مقابل شهر كامل وفريق متكامل في الإنتاج التقليدي.
أما الإيرادات فتأتي بالطرق المعتادة: إعلانات، أو دفع لفتح الحلقة، أو اشتراكات، أو بيع حق العرض للمنصات.
ولمَ الآن؟
ثلاثة أسباب.
الأول، أن النماذج تطورت بسرعة لافتة. كانت المقاطع تُعرف بسهولة قبل عام، واليوم صار التمييز أصعب.
الثاني، أن المنصات تحتاج إلى تدفق لا يتوقف. وخوارزميات الهاتف تبتلع المحتوى بوتيرة يعجز عنها الإنتاج البشري.
الثالث، أن الدعم الحكومي حاضر. مدن صينية عدة تتنافس على استقطاب الشركات الناشئة في هذا المجال، وتوفر لها تمويلًا وقدرات حوسبة ومراكز متخصصة.
الوفرة لا تعني النجاح
هنا يظهر الرقم الأهم في القصة كلها.
من أصل 221.9 ألف عمل مولَّد بالذكاء الاصطناعي، تجاوز 1,055 عملًا فقط حاجز مئة مليون مشاهدة.
أي أقل من نصف بالمئة.
الإنتاج هائل، والنجاح نادر. وهذا يفسر لماذا بدأت حصة الذكاء الاصطناعي بالانحسار في الربع الثاني من 2026، إذ ارتفع إجمالي الإنتاج إلى 239 ألف عمل بينما تراجعت حصة الأعمال المولَّدة إلى 64%.
سوق جديدة: تأجير الوجوه
مع اتساع الصناعة نشأت في الصين سوق لم تكن موجودة: ترخيص الملامح البشرية.
يستطيع أي شخص عادي أن يعرض وجهه على منصة متخصصة، وأن يحدد أنواع الأعمال التي يسمح بظهور نسخته الرقمية فيها. وتتراوح الأسعار بين 7 دولارات و15 ألف دولار، بحسب صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».
وشركات الإنتاج تختار الوجه المناسب حسب العمر والجنس والملامح، كأنها تتسوق في مكتبة صور.
ودخل الممثلون المعتزلون هذه السوق أيضًا. رخّص الممثل الهونغكونغي لورانس نغ، البالغ 62 عامًا، ملامحه كما كانت في العشرين من عمره، لتُستخدم في فيلم مولَّد بالذكاء الاصطناعي.
بل إن الموت لم يعد نهاية المشوار. فالممثل الأمريكي فال كيلمر، الذي توفي في 2025، سيعود إلى الشاشة في فيلم «As Deep as the Grave» بنسخة مولَّدة بالكامل. كان قد وافق على الدور قبل وفاته دون أن يتمكن من تصوير أي مشهد، فأعاد صنّاع العمل إنشاء صورته وصوته رقميًا بموافقة عائلته وورثته، بحسب مجلة «فارييتي».
حين يُستخدم الوجه بلا إذن
لا تخلو السوق من نزاعات.
اتهم مدوّنان منصة «هونغقوو» التابعة لـByteDance باستخدام ملامحهما في عمل درامي دون موافقتهما. سحبت المنصة العمل وأوقفت المنتج عن الرفع خمسة عشر يومًا.
وتقول المنصة إنها راجعت منذ ذلك الحين 15 ألف عمل بحثًا عن استخدام غير سليم للذكاء الاصطناعي، واتخذت إجراءات بحق 670 منها. أما ByteDance فتقول إنها حذفت أكثر من 85 ألف مقطع يتضمن إعادة إنتاج غير مصرح بها لوجوه الناس وأصواتهم منذ مطلع 2026.
ويحذّر محامون من أن بندًا واحدًا غامضًا في العقد قد يجعل الوجه متاحًا لأي استخدام، في أي مكان، وإلى الأبد.
من الخاسر؟
الفاتورة ثقيلة على العاملين في المجال.
في الصين وحدها، أصبح نحو 690 ألف شخص يعملون في صناعة المسلسلات القصيرة مهددين بفقدان عملهم، بحسب «فاينانشال تايمز». وهم ليسوا ممثلين فحسب، بل مصورون وفنيو إضاءة وديكور وصوت.
وقواعد الإنتاج التي تحولت إليها مدن مثل تشنغتشو وشيآن وهانغتشو خلال طفرة 2024 و2025 تواجه اليوم تراجعًا حادًا في عدد الأعمال المصوَّرة.
لكن السوق تصحح نفسها
تعهدت ست منصات كبرى، من بينها هونغقوو وتينسنت ومانغو وكوايشو، بما لا يقل عن 6 مليارات يوان لدعم المسلسلات القصيرة المصوَّرة بممثلين حقيقيين. وخصصت هونغقوو وحدها خمسة مليارات.
وألزم المنظّم أعمال الذكاء الاصطناعي بالمراجعة نفسها التي تخضع لها الأعمال البشرية، وحذفت المنصات عشرات الآلاف من الأعمال الرديئة.
وما زالت هناك مشكلة تقنية لم تُحل: ثبات ملامح الشخصية وحركتها وخلفيتها من مشهد إلى آخر.
وأين نحن من هذا؟
وصلت الموجة إلينا.
أطلقت جمعية الثقافة والفنون بجدة مبادرة «أفلام الذكاء الاصطناعي AI»، لتمكين المبدعين من استخدام هذه الأدوات في أعمال سينمائية، ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وظهرت تجارب سعودية، أبرزها الفيلم القصير «مزنة» للإعلامي بدر آل زيدان. مدته ست دقائق، وبطلته شخصية افتراضية مصممة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وحقق أكثر من 10 ملايين مشاهدة في أيام قليلة.
واللافت أن للشخصية حسابًا رسميًا على منصة «إكس»، تتفاعل فيه مع الجمهور وتنشر صورًا من «كواليس التصوير» — ظاهرة المشاهير الافتراضيين نفسها، لكن محليًا.
الخلاصة
اختصر الذكاء الاصطناعي وقت الإنتاج وتكلفته اختصارًا لم يسبق له مثيل، وفتح الباب أمام من لم يكن يملك ميزانية فيلم واحد ليصنع مسلسلات كاملة.
لكن الأسئلة التي يتركها خلفه أصعب من الأرقام التي يقدمها.
من يملك وجهك وصوتك بعد أن تبيعهما؟ وما مصير مئات الآلاف الذين يعيشون من هذه الصناعة؟ وهل يبقى الجمهور متعلقًا بالقصة الإنسانية، أم يكتفي بما تنتجه الخوارزميات؟
ولعل نسبة النجاح البالغة نصف بالمئة تحمل جوابًا مبكرًا: الوفرة وحدها لا تصنع صناعة.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!