في الأروقة التي صُورت فيها أشهر مشاهد أفلام "جيمس بوند" وسلاسل "مارفل" وحروب "حرب النجوم"، كان من المفترض أن تُبنى مسارح تصوير جديدة لتلبية نهم العالم المستمر للترفيه. لكن، وبشكل مفاجئ، قرر المستثمرون استبدال كاميرات السينما ومعدات الإضاءة بصفوف لا تنتهي من الخوادم وأجهزة الكمبيوتر العملاقة.
هذا التحول الجذري في بريطانيا ليس مجرد خبر عابر في صفحات الفن، بل هو قصة اقتصادية بامتياز، تعكس بوضوح كيف تنتقل أموال المستثمرين بسرعة البرق من قطاع إلى آخر بحثاً عن الربح، وكيف أزاح "الذكاء الاصطناعي" صناعة الترفيه عن عرش الاستثمارات العقارية.
إليكم القصة الكاملة لأبعاد هذا التحول، وما يعنيه لمستقبل الاقتصاد الرقمي.
نهاية حقبة "ذروة الإنتاج التلفزيوني"
لفهم ما يحدث اليوم، يجب أن نعود أربع سنوات إلى الوراء. خلال جائحة كورونا، احتجز العالم في منازله، واشتعلت حرب شرسة بين منصات البث مثل "نتفليكس" و"أمازون" و"ديزني". كان الهدف واحداً: إنتاج أكبر قدر ممكن من المسلسلات والأفلام لجذب المشتركين.
أدت هذه المنافسة المحمومة إلى ضخ أموال هائلة في بريطانيا، بلغت ذروتها بإنفاق قياسي قدره 7.8 مليار جنيه إسترليني على الإنتاجات المحلية. وكاستجابة لقانون العرض والطلب الكلاسيكي، تضاعفت مساحات استوديوهات التصوير في بريطانيا من 3 ملايين قدم مربع في عام 2020 إلى أكثر من 6 ملايين قدم مربع خلال ثلاث سنوات ونصف فقط؛ وهو توسع لم يشهده أي بلد آخر في العالم.
ولكن، لكل فقاعة نهاية. مع انتهاء الجائحة، وتوجه شركات البث نحو التركيز على "الربحية" وتقليص النفقات بدلاً من التوسع العشوائي، بالإضافة إلى إضرابات هوليوود الشهيرة في عام 2023 وتراجع ميزانيات القنوات المحلية، انتهت حقبة ما يُعرف بـ "ذروة التلفزيون" (Peak TV).
الذكاء الاصطناعي يخطف الأضواء (والأراضي)
بينما كانت استوديوهات التصوير تشهد تراجعاً في الطلب، كان هناك عملاق جديد يستيقظ: الذكاء الاصطناعي.
هذه التكنولوجيا التي باتت تكتب النصوص، وتولد الصور، وتدير الأعمال، لا تعيش في الهواء، بل تحتاج إلى "عقول" مادية ضخمة لمعالجة بياناتها، وهو ما يُعرف بـ "مراكز البيانات" (Datacentres).
هنا، التقط المطورون العقاريون الإشارة. بلغة الأرقام الصارمة، تبلغ قيمة الأراضي المخصصة لتطوير مراكز البيانات اليوم ضعفي إلى ثلاثة أضعاف قيمة الأراضي المخصصة لبناء الاستوديوهات. هذا الفارق الشاسع في العوائد الاستثمارية جعل التحول أمراً حتمياً.
خسائر على لوحة التصوير:
- استوديوهات باينوود (Pinewood): معقل السينما البريطانية، تخلت عن بناء 21 مسرح تصوير جديد، وحصلت على موافقات لتحويل 78% من مشروع توسعتها الضخم (البالغ مساحته 1.4 مليون قدم مربع) إلى مراكز بيانات.
- استثمارات ملغاة: تخلت مجموعة "بلاكستون" (Blackstone) عن خطة لبناء مجمع استوديوهات ضخم بقيمة 700 مليون جنيه إسترليني، وتدرس الآن تحويل الموقع إلى مراكز بيانات.
- مشاريع أُجهضت: تم إلغاء مشروع استوديوهات "ويكومب" (Wycombe) واستبداله بخطة قيمتها 265 مليون جنيه إسترليني لبناء ستة مراكز بيانات، كما تعثر مشروع بناء 19 مسرح تصوير في شمال إنجلترا بقيمة 450 مليون جنيه إسترليني لعدم وجود طلب فعلي.
هل تحتضر صناعة السينما البريطانية؟
رغم هذه الصورة التي تبدو قاتمة للوهلة الأولى، فإن قراءة ما بين السطور تكشف واقعاً مختلفاً. صناعة السينما في بريطانيا لم تنهَر، بل وصلت إلى مرحلة "التشبع" والنضج.
الأرقام تثبت ذلك؛ ففي العام الماضي، تم إنفاق ما يقرب من 7 مليارات جنيه إسترليني على إنتاج الأفلام والتلفزيون في بريطانيا، وهو ثالث أعلى رقم مسجل في تاريخ البلاد.
السر يكمن في أن كبرى الشركات الأمريكية (التي تمثل حوالي 80% من الإنفاق على الإنتاج في بريطانيا) قد أمنت بالفعل احتياجاتها. "ديزني"، و"نتفليكس"، و"أمازون"، و"وارنر براذرز" يمتلكون عقود إيجار طويلة الأمد للاستوديوهات القائمة بالفعل، ويقومون بتصوير أضخم أعمالهم هناك (مثل مسلسل هاري بوتر الجديد، وبريدجيرتون، وسلاسل الأبطال الخارقين) مستفيدين من الإعفاءات الضريبية والعمالة الماهرة. هم ببساطة لم يعودوا بحاجة لمساحات إضافية جديدة.
درس اقتصادي للجميع
القصة التي نراها في بريطانيا اليوم تقدم درساً حياً وبسيطاً في عالم الاقتصاد: رأس المال ذكي ولا يعرف العاطفة.
عندما كان الناس في منازلهم يبحثون عن الترفيه، تحولت المصانع القديمة إلى استوديوهات تصوير. واليوم، بينما يتجه العالم نحو أتمتة المستقبل عبر الذكاء الاصطناعي، تتحول أراضي السينما إلى قلاع من الخوادم والأسلاك. في عالم الأعمال، البقاء ليس للأقوى، بل للأكثر قدرة على التكيف مع لغة الأرقام وتوجهات المستقبل.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!