تطبيق توصيل لا يملك المطاعم، ومنصة حجز لا تملك الفنادق، ومتجر إلكتروني لا يصنع المنتجات. تبدو هذه الشركات كأنها تعمل بلا أصول، لكن المطعم والفندق والمركبة والمخزون لم تختفِ؛ الذي تغير هو من يملكها ومن يتحمل تكلفتها.
تسمى هذه الطريقة نموذج الأصول الخفيفة (Asset-Light Model): تركز الشركة على التقنية والعلامة والبيانات والوصول إلى العميل، بينما يتولى شركاء آخرون تمويل الأصول المادية وتشغيلها. والسؤال الأهم ليس كم أصلًا تملك الشركة، بل: هل احتفظت بالجزء الأعلى قيمة من النشاط، أم نقلت التكاليف فقط وأصبحت معتمدة على الآخرين؟
أين توجد القيمة؟
في الفندق، قد يمول المستثمر العقار، بينما تحصل العلامة على رسوم مقابل الاسم ونظام الحجز والإدارة. وفي تطبيق التوصيل، يجهز المطعم الوجبة ويوفر السائق وسيلة النقل، بينما تنظم المنصة الطلب والدفع والوصول إلى العميل.
يتيح ذلك للشركة التوسع دون شراء كل فندق أو مركبة أو مخزون تحتاج إليه. وقد تصبح الخدمة أقوى مع زيادة المشاركين: خيارات أكثر للعملاء وطلبات أكثر للموردين. لكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد أن المنصات تختلف كثيرًا ولا تنجح كلها للأسباب نفسها؛ فكبر الشبكة لا يكفي إذا كانت الخدمة ضعيفة، أو تكلفة جذب العميل مرتفعة، أو المورد لا يحقق عائدًا يبقيه فيها.
جاهز: نمو المنصة لا يعني امتلاك كل ما يمر عبرها
يوضح مثال مجموعة جاهز كيف تعمل الفكرة ماليًا. ففي 2025، بلغت القيمة الإجمالية للطلبات والبضائع التي مرت عبر المجموعة 7.2 مليار ريال، بينما بلغ صافي إيراداتها 2.32 مليار ريال.
لا يعني الفرق أنه ذهب كله مباشرة إلى المطاعم والسائقين، لأن طريقة تسجيل الإيراد تختلف بين أنشطة المجموعة؛ لكنه يوضح أن المنصة تنسق نشاطًا اقتصاديًا أكبر من الإيراد الذي تعترف به محاسبيًا.
كما ارتفعت إيرادات العمولات إلى 1.11 مليار ريال، في حين انخفضت إيرادات رسوم التوصيل بنسبة 13.1% بسبب حدة المنافسة في السوق السعودية. وهنا تظهر حدود النموذج: الوصول إلى عدد كبير من العملاء لا يمنح المنصة حرية كاملة في التسعير؛ فقد تضطر إلى خفض الرسوم أو زيادة الإنفاق التسويقي للدفاع عن حصتها. تداول السعودية – نتائج جاهز لعام 2025
لماذا قد تعود الشركة إلى امتلاك الأصول؟
الخفة ليست هدفًا في ذاتها. فقد تحتاج الشركة إلى امتلاك جزء من التشغيل إذا أصبح ضروريًا لضبط الجودة أو خفض التكلفة.
وهذا ما يظهر في ذراع جاهز اللوجستية «لوجي»: أدى توسيع القدرة الداخلية للتوصيل إلى خفض تكلفة التوصيل لكل طلب على مستوى المجموعة، لكنه رفع مصروفات الإهلاك وساهم في وصول صافي خسارة القطاع إلى 25.5 مليون ريال في 2025.
المفارقة واضحة: امتلاك الأصول قد يحسن السيطرة والكفاءة التشغيلية، لكنه يعيد إلى الشركة تكاليف الاستثمار والإهلاك. لذلك قد يكون النموذج الهجين — منصة خفيفة الأصول مع امتلاك العمليات الحاسمة فقط — أفضل من الخفة الكاملة.
الفرصة السعودية ومن يحصل على القيمة
تهيئ البيئة الرقمية السعودية مساحة لنمو هذه النماذج؛ فقد بلغت حصة الاقتصاد الرقمي 16% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، ووصل عدد سجلات التجارة الإلكترونية إلى 40,953 سجلًا، وفق الهيئة العامة للإحصاء.
لا تثبت هذه الأرقام انتشار نموذج الأصول الخفيفة نفسه، لكنها تظهر اتساع البيئة التي تسمح للمنصات بربط عدد أكبر من المستهلكين والمنشآت ومقدمي الخدمات.
تستفيد المنشأة الصغيرة عندما تمنحها المنصة وصولًا إلى عملاء جدد دون إنشاء فروع أو شبكة توزيع مستقلة. لكن المنفعة تضعف إذا أصبحت المنشأة معتمدة على قناة واحدة تتحكم في العميل والبيانات والرسوم. ولذلك لا يقاس نجاح النموذج بنمو الطلبات وحده، بل بقدرة المنصة والمورد على تحقيق عائد مستدام مع المحافظة على جودة الخدمة.
ما الذي يجب أن يفهمه المستثمر؟
قلة الأصول في الميزانية لا تعني تلقائيًا قلة المخاطر. ولتقييم شركة من هذا النوع، تكفي أربعة أسئلة:
- هل تنمو دون إنفاق رأسمالي كبير؟
- هل تربح من المعاملة بعد الحوافز والتسويق؟
- هل يحصل المورد على عائد يشجعه على الاستمرار؟
- هل تستطيع الشركة ضبط الجودة وتحمل تغير المنافسة والأنظمة؟
في النهاية، الأصول لا تختفي، بل تنتقل ملكيتها ومخاطرها بين أطراف النشاط. والشركة الأقوى ليست التي تملك أقل عدد ممكن من الأصول، بل التي تعرف ما يجب أن تملكه لحماية الجودة والربحية، وما يستطيع الآخرون تشغيله بكفاءة أكبر.
التعليقات (9)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!