حين نسمع أن البنوك السعودية حققت أرباحًا تقارب 25 مليار ريال خلال ثلاثة أشهر فقط، قد يبدو الرقم وحده كافيًا لوصف أداء القطاع المصرفي.

لكن وراء هذه الأرباح قصة اقتصادية أكبر، تتعلق بالأموال التي يودعها الأفراد والشركات، والقروض التي تقدمها البنوك، والتكلفة التي تتحملها لتوفير التمويل.

فخلال الربع الثاني من عام 2026، حققت البنوك السعودية العشرة المدرجة أرباحًا بلغت نحو 24.9 مليار ريال، بزيادة تقارب 8% عن الفترة نفسها من العام السابق. ووصلت أرباح النصف الأول إلى 48.82 مليار ريال.

فكيف تحقق البنوك هذه الأرباح؟ وهل يعني ازدياد القروض والودائع أن أرباحها ستواصل الارتفاع بالضرورة؟

من أين تأتي أرباح البنوك؟

لفهم أعمال البنوك، يمكن البدء بمثال بسيط.

لنفترض أنك أودعت مبلغًا في أحد البنوك. بالنسبة إليك، يمثل هذا المبلغ مدخرات تستطيع استخدامها وفق شروط حسابك. أما بالنسبة إلى البنك، فهو التزام مالي تجاهك، ويمكنه توظيف جزء من الأموال المتاحة لديه في تقديم التمويل والاستثمار، وفق المتطلبات التنظيمية والسيولة اللازمة.

عندما يمول البنك شراء منزل أو توسع شركة، فإنه يحصل على عائد من التمويل. وفي المقابل، قد يدفع عوائد على بعض الودائع، ويتحمل تكاليف الموظفين والتقنية والتشغيل، إضافة إلى تكاليف مرتبطة بمخاطر عدم سداد القروض.

والفرق بين إيرادات البنك وتكاليفه ومصروفاته هو ما يحدد صافي ربحه في النهاية.

ولا تعتمد البنوك على التمويل وحده؛ إذ تحقق أيضًا إيرادات من الخدمات المصرفية والرسوم وبعض الأنشطة الاستثمارية.

لذلك، فإن ارتفاع الأرباح قد ينتج عن زيادة حجم الأعمال، أو تحسن العائد من التمويل، أو نمو الإيرادات الأخرى، أو انخفاض بعض التكاليف.

ماذا تعني قروض بقيمة 3.25 تريليون ريال؟

بنهاية يونيو 2026، بلغ صافي القروض لدى البنوك السعودية المدرجة نحو 3.25 تريليون ريال.

لكن هذا الرقم لا يعني أن البنوك قدمت قروضًا جديدة بهذه القيمة خلال ثلاثة أشهر.

بل يمثل الرصيد القائم من القروض في تاريخ محدد، أي التمويلات التي سبق تقديمها ولا تزال هناك مبالغ مستحقة منها.

وهذا التمييز مهم؛ لأن أرباح الربع الثاني تُقاس خلال ثلاثة أشهر، بينما رصيد القروض يعكس حجم المحفظة التمويلية في نهاية تلك الفترة.

وكلما توسعت هذه المحفظة، زادت فرص تحقيق إيرادات تمويلية إضافية، بشرط أن تكون القروض مجدية وأن يتمكن المقترضون من سداد التزاماتهم.

الودائع.. لماذا لا تقل أهمية عن القروض؟

في المقابل، بلغت ودائع عملاء البنوك المدرجة نحو 3.15 تريليون ريال بنهاية الربع الثاني.

والودائع ليست مجرد مؤشر على الأموال الموجودة لدى البنك، بل هي مصدر رئيسي لتمويل أعماله.

وهنا تظهر علاقة مهمة: يحتاج البنك إلى تنمية الإقراض لتحقيق الإيرادات، لكنه يحتاج أيضًا إلى مصادر تمويل مستقرة وبتكلفة مناسبة.

وأظهرت بيانات الربع الثاني أن الودائع نمت بنحو 9% على أساس سنوي، مقابل نمو يقارب 7% لصافي القروض.

ومع أن رصيد القروض لا يزال أكبر من رصيد ودائع العملاء، فإن نمو الودائع بوتيرة أسرع يساعد على تحسين التوازن بين التوسع في التمويل ومصادر الأموال المتاحة للبنوك.

ولا تعني زيادة القروض على الودائع بالضرورة وجود مشكلة في السيولة؛ فالبنوك تمتلك مصادر تمويل أخرى، وتخضع لمتطلبات رقابية تتعلق بالسيولة ورأس المال.

لماذا تجاوزت الأرباح توقعات المحللين؟

قبل إعلان النتائج المالية، يصدر المحللون تقديرات للأرباح التي يتوقعون أن تحققها البنوك، بناءً على أداء أعمالها والظروف الاقتصادية والمالية.

وعندما تأتي الأرباح الفعلية أعلى من تلك التقديرات، يُقال إنها تجاوزت توقعات المحللين.

وهذا ما حدث في الربع الثاني من 2026، إذ تجاوزت الأرباح الفعلية متوسط توقعات مجموعة من شركات الأبحاث بنحو 4%.

لكن تجاوز التوقعات لا يعني بالضرورة أن كل جوانب الأداء كانت أفضل.

فقد أشار تقرير للجزيرة كابيتال إلى ارتفاع مخصصات البنوك خلال الربع الثاني بنسبة 33.5% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.

والمخصصات هي مبالغ محاسبية تُحتسب لمواجهة خسائر ائتمانية متوقعة، كاحتمال تعثر بعض المقترضين في السداد. وارتفاعها قد يقلص الأرباح، حتى عندما تنمو إيرادات التمويل.

لذلك ينظر المحللون إلى جودة القروض وتكلفة التمويل والمخصصات، ولا يكتفون بصافي الربح وحده.

هل استمرار نمو الأرباح مضمون؟

ارتفاع أرباح البنوك بالتزامن مع نمو القروض والودائع يعكس توسعًا في نشاطها المالي، لكنه لا يضمن استمرار النمو بالوتيرة نفسها.

فقد تتأثر أرباح الفترات المقبلة بتغير أسعار الفائدة، وتكلفة جذب الودائع، والطلب على التمويل، وجودة القروض، وكفاءة إدارة المصروفات.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس فقط: كم ربحت البنوك؟

بل: ما مقدار الأرباح الناتج عن نمو النشاط المصرفي الأساسي؟ وهل تستطيع البنوك مواصلة هذا النمو مع الحفاظ على جودة التمويل والسيولة؟

فنتائج الربع الثاني من 2026 تكشف عن قطاع مصرفي تتوسع أعماله وتزداد أرباحه، لكن قراءة مستقبله تحتاج إلى أكثر من رقم الربح النهائي.

وبين القروض والودائع وتكلفة الأموال، تتضح القصة الاقتصادية وراء الـ25 مليار ريال.