تراجعت قيمة عمليات نقاط البيع في السعودية 18.1% خلال الأسبوع من 4 إلى 10 أكتوبر 2026، مقارنة بالأسبوع السابق.
لكن خلف هذا المتوسط الوطني ظهرت فروق كبيرة بين المدن.
انخفض الإنفاق 14.4% في الرياض، و15.2% في جدة، و15.1% في مكة، بينما تجاوز التراجع 30% في مدن أخرى؛ فسجلت صامطة والليث انخفاضًا بنحو 35.3%، وعرعر نحو 32%.
للوهلة الأولى قد يبدو أن الاستهلاك تراجع بدرجات متفاوتة بشدة بين المدن.
لكن قراءة أربعة أسابيع بدل أسبوعين فقط تقدم قصة مختلفة.
ماذا حدث في الأسبوع السابق؟
الفترة التي تتم المقارنة بها بدأت في 27 سبتمبر 2026، وهو موعد صرف رواتب موظفي الدولة لشهر سبتمبر وفق تقويم وزارة المالية.
وفي ذلك الأسبوع قفزت قيمة عمليات نقاط البيع على مستوى المملكة إلى نحو 16.51 مليار ريال، مقارنة بنحو 13.37 مليار ريال في الأسبوع السابق له.
ثم عادت في الأسبوع من 4 إلى 10 أكتوبر إلى نحو 13.53 مليار ريال.
إذن، الانخفاض البالغ 18.1% لم يأخذ الإنفاق إلى مستوى منخفض مقارنة بالأسابيع السابقة؛ بل أعاده تقريبًا إلى نطاقه السابق.
فالقيمة البالغة 13.53 مليار ريال كانت أعلى بنحو 1.1% من الأسبوع السابق لأسبوع الصرف، وأعلى بنحو 4.7% من أسبوع 13–19 سبتمبر.
وهنا يظهر مفهوم اقتصادي مهم: أثر الأساس.
وهو أن نسبة التغير تعتمد كثيرًا على النقطة التي نقارن بها. فإذا كان الأسبوع السابق مرتفعًا بصورة استثنائية، فقد يبدو الانخفاض اللاحق كبيرًا حتى لو عاد النشاط فقط إلى مستواه المعتاد.
المدن الكبيرة توضح الفكرة
في الرياض، هبطت نقاط البيع من 5.62 مليارات ريال إلى 4.82 مليارات ريال، بانخفاض 14.4%.
لكن إنفاق الأسبوع الأخير ظل أعلى بنحو 2.8% من الأسبوع الذي سبق أسبوع صرف الرواتب.
وفي جدة، تراجعت القيمة من 2.13 مليار إلى 1.80 مليار ريال، لكنها أصبحت قريبة جدًا من مستويات الأسابيع السابقة.
والأمر مشابه في مكة، حيث هبط الإنفاق من نحو 635 مليونًا إلى 539 مليون ريال، لكنه ظل أعلى بنحو 6% من مستواه في أسبوع 13–19 سبتمبر.
إذن، النسبة السالبة لا تعني بالضرورة أن المدينة دخلت في حالة ضعف استهلاكي؛ فقد تعكس ببساطة المقارنة بأسبوع مرتفع.
وحتى انخفاض 35% قد لا يعني ضعفًا
المفارقة تصبح أوضح في المدن التي سجلت أكبر نسب الانخفاض.
في صامطة تراجعت القيمة 35.3% من 40.4 مليون ريال إلى 26.1 مليون ريال.
لكن الـ26.1 مليون ريال كانت أعلى بنحو 10% من الأسبوع السابق لأسبوع الصرف.
وفي الليث، انخفض الإنفاق أيضًا 35.3%، لكنه بقي أعلى بنحو 4.2% من الأسبوع السابق لأسبوع الصرف.
أما عرعر، فتراجعت 32% أسبوعيًا، ومع ذلك ظل إنفاقها أعلى بنحو 6.5% من الأسبوع السابق لأسبوع الصرف.
وهذا ربما أهم ما تكشفه البيانات:
يمكن لمدينة أن تسجل انخفاضًا يتجاوز 30%، وفي الوقت نفسه يكون إنفاقها أعلى مما كان عليه قبل أسبوعين.
لا يوجد تناقض.
المشكلة فقط في اختيار نقطة المقارنة.
لماذا تختلف النسب بين المدن؟
لا يوفر الجدول وحده تفسيرًا حاسمًا لاختلاف كل مدينة، ولذلك لا يمكن القول إن مدينة أكثر «قوة» أو «ضعفًا» من أخرى اعتمادًا على هذه النسب فقط.
قد تتأثر النسب باختلاف حجم السوق، وتركيبة الإنفاق، والمناسبات، وتوقيت المشتريات، كما أن المدن ذات القيم الأصغر يمكن أن تظهر فيها التحركات النسبية بصورة أكبر.
لكن تحديد السبب بدقة يحتاج إلى تفكيك الإنفاق داخل كل مدينة بحسب الأنشطة، وليس الاكتفاء بالإجمالي.
وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة بين المدن مفيدة: فهي تكشف حدود المتوسط الوطني.
ما الذي نتعلمه؟
عندما نقرأ أن الإنفاق تراجع 18% في المملكة، أو 35% في مدينة ما، فإن السؤال التالي يجب ألا يكون فورًا:
لماذا ضعف المستهلك؟
بل:
مقارنة بماذا؟
ثم ننظر إلى أكثر من أسبوع، ونفحص مستوى الإنفاق قبل القفزة وبعدها.
فالإحصاء الصحيح قد يقود إلى استنتاج خاطئ إذا عُزل عن سياقه.
وفي بيانات هذا الأسبوع، لا تكمن القصة الأساسية في أن بعض المدن هبطت 14% وأخرى 35%.
بل في أن جزءًا كبيرًا من هذا الهبوط جاء بعد أسبوع مرتفع تزامن مع صرف رواتب موظفي الدولة، وأن عدة مدن ظلت، رغم النسب السالبة الكبيرة، عند مستويات إنفاق أعلى من أسابيع سبقت ذلك.
وهذا يذكرنا بقاعدة بسيطة في قراءة الاقتصاد:
لا تقرأ نسبة التغير قبل أن تعرف مستوى الأساس الذي بدأت منه.
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!