هل تستطيع الأرقام أن تحذّرنا قبل تعثر الشركة؟
قد تحقق الشركة إيرادات كبيرة، وتمتلك أصولًا، وتستمر في ممارسة أعمالها بشكل طبيعي، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها قادرة على الاستمرار مستقبلًا.
في المحاسبة يوجد مفهوم أساسي يسمى الاستمرارية (Going Concern)، ويعني أن القوائم المالية تُعد على افتراض أن الشركة ستواصل أعمالها ولن تضطر إلى التصفية أو إيقاف نشاطها في المستقبل القريب.
لكن السؤال الذي لفت انتباهي هو: متى تبدأ الأرقام بإعطائنا إشارات بأن هذا الافتراض قد يكون في خطر؟
المشكلة قد تبدأ قبل التوقف
تعثر الشركة لا يحدث بالضرورة فجأة.
قبل الوصول إلى مرحلة التوقف قد تظهر مؤشرات مالية وتشغيلية تستحق الانتباه، ولهذا يناقش Journal of Accountancy أهمية تقييم الإدارة والمراجع للمخاطر التي قد تهدد قدرة المنشأة على مواصلة أعمالها.
وهنا يظهر الفرق بين النظر إلى القوائم المالية باعتبارها تسجيلًا لما حدث، واستخدامها أيضًا لفهم ما قد يحدث لاحقًا.
فالشركة قد تمتلك أصولًا كثيرة على الورق، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا على السيولة أو التزامات يصعب الوفاء بها.
بمعنى آخر، وجود الأصول لا يعني دائمًا وجود النقد الكافي للاستمرار.
عندما تصبح السيولة أهم من الربح
تخيل شركة تحقق أرباحًا في قائمة الدخل، لكن عملاءها يتأخرون في السداد بينما عليها رواتب وقروض وموردون يجب دفع مستحقاتهم الآن.
هنا قد تبدو الشركة ناجحة من زاوية الربح، بينما تخبرنا التدفقات النقدية بقصة مختلفة.
ولهذا لا يكفي عند تقييم قدرة الشركة على الاستمرار النظر إلى صافي الربح فقط، بل يجب فهم وضعها المالي بصورة متكاملة.
كما أن الإدارة في إطار قواعد U.S. GAAP تتحمل مسؤولية تقييم وجود ظروف أو أحداث قد تثير شكًا جوهريًا حول قدرة المنشأة على الاستمرار، وليس المراجع وحده من يقوم بهذه المهمة.
ماذا يحدث إذا ظهرت مشكلة؟
وجود شك حول الاستمرارية لا يعني تلقائيًا أن الشركة ستفشل.
الإدارة قد تمتلك خططًا لمعالجة الوضع، مثل إعادة هيكلة الديون أو تخفيض المصروفات أو الحصول على تمويل إضافي أو بيع بعض الأصول.
لكن المهم هو ألا تبقى المخاطر مخفية.
فالمستثمر أو المقرض الذي يقرأ القوائم المالية يحتاج إلى معرفة الظروف التي قد تؤثر في قدرة الشركة على مواصلة نشاطها، حتى يستطيع تقييم المخاطر قبل اتخاذ قراره.
ولهذا فإن موضوع الاستمرارية لا يتعلق فقط بمستقبل الشركة، بل أيضًا بجودة وشفافية المعلومات التي يحصل عليها مستخدم القوائم المالية.
ماذا يرى المحاسب؟
قد ينظر شخص إلى الشركة ويسأل: هل تحقق أرباحًا؟
أما المحاسب فيحتاج إلى أسئلة إضافية: هل لديها سيولة كافية؟ هل تستطيع سداد التزاماتها عند الاستحقاق؟ ماذا تقول التدفقات النقدية؟ وما المخاطر التي يمكن أن تهدد استمرار عملياتها؟
وهنا أرى أن دور المحاسب لا يقتصر على تسجيل النتائج بعد حدوثها.
الأرقام قد تعمل أيضًا كإشارات تحذيرية تساعد الإدارة والمستثمرين على اكتشاف المشكلة مبكرًا.
فالشركة قد تكون رابحة اليوم، لكن السؤال الأهم هو:
هل تمتلك ما يكفي للاستمرار غدًا؟
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!