المشهد المالي العالمي: النفط كأداة لإعادة تشكيل النظام النقدي
لم يعد الصراع حول النفط يقتصر على حجم الإنتاج أو أمن الإمدادات أو مستوى الأسعار، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا: بأي عملة تُدفع قيمة النفط، وأين تمر الأموال الناتجة عن هذه التجارة؟ خلال الأزمات الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة، برزت الصين بوصفها لاعبًا يمتلك ميزة استراتيجية مهمة؛ فهي لا تعتمد فقط على شراء النفط من الأسواق المفتوحة، بل راكمت على مدى سنوات مخزونات استراتيجية وتجارية كبيرة، كما وسعت وارداتها من منتجين يواجهون عقوبات غربية، وفي مقدمتهم روسيا وإيران. هذه الظروف منحت بكين فرصة لتطوير نموذج تجاري يقلل اعتمادها على القنوات الدولارية التقليدية. ومن هنا تبدأ أهمية ما يسمى «البترويوان» (Petroyuan): فالمسألة ليست مجرد استبدال الدولار باليوان في فاتورة شراء النفط، وإنما محاولة ربط تجارة الطاقة بالعملة الصينية وبمنظومة مالية صينية متكاملة.
ما هو الدولار النفطي؟ وكيف أصبحت العملة جزءًا من تجارة الطاقة؟
لفهم أهمية التحرك الصيني، يجب أولًا فهم الدولار النفطي (Petrodollar). ويُستخدم المصطلح لوصف الدور المحوري للدولار في تجارة النفط العالمية، وما نتج عنه من علاقة وثيقة بين سوق الطاقة والنظام المالي الأمريكي. وقد تعزز هذا النموذج منذ سبعينيات القرن الماضي مع إعادة تشكيل العلاقات المالية بين الولايات المتحدة والدول النفطية، لكن من المهم عدم اختزاله في فكرة وجود اتفاق عالمي يلزم جميع المنتجين ببيع النفط حصريًا بالدولار. قوة الدولار جاءت من منظومة أوسع: تسعير جزء كبير من التجارة النفطية بالدولار، ووجود أسواق مالية أمريكية عميقة، واستخدام الدولار في التمويل والتجارة والاحتياطيات، ثم إعادة تدوير العوائد النفطية في الأصول الدولارية. وهكذا نشأت دائرة اقتصادية متشابكة: الدول تحتاج الدولار لشراء الطاقة، والدول المنتجة تحصل على الدولار، ثم يعاد استثمار جزء من هذه العوائد في النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار. لذلك، فإن تحدي هذه الهيمنة لا يعني إلغاء الدولار، وإنما كسر الاعتماد على الدولار بوصفه الوسيط شبه الافتراضي في تجارة الطاقة الدولية.
الآلية الصينية: النفط مقابل اليوان بدلًا من المرور بالدولار
تكمن أهمية النموذج الصيني في أن بكين تمتلك طلبًا ضخمًا ومستمرًا على الطاقة، بينما تحتاج بعض الدول المنتجة، خصوصًا الواقعة تحت العقوبات، إلى الوصول إلى الأسواق والسلع الصينية. هنا يمكن أن تنشأ معادلة مختلفة: الصين تشتري النفط باليوان، والدولة المصدرة تحصل على عملة تستطيع استخدامها في شراء السلع والخدمات من الصين. اقتصاديًا، يخلق ذلك نوعًا من إعادة تدوير اليوان (Yuan Recycling)؛ فالعملة التي تدفعها الصين مقابل النفط يمكن أن تعود إليها عبر شراء المعدات والآلات والإلكترونيات والسلع الصينية. وتزداد أهمية هذه الحلقة عندما تكون الدولة المصدرة غير قادرة أو غير راغبة في الاحتفاظ بالدولار بسبب العقوبات أو القيود المالية. وهنا لا يصبح اليوان مجرد وسيلة دفع، بل يتحول إلى أداة لتسهيل التجارة الثنائية. إلا أن هذه الآلية تختلف جذريًا عن النظام الدولاري من حيث الحجم؛ فقبول اليوان من قبل بعض الدول في تجارة النفط لا يعني تلقائيًا أن العملة الصينية أصبحت عملة احتياطية عالمية منافسة للدولار.
البنية التحتية: لا يمكن بناء عملة دولية دون نظام مالي يدعمها
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الاستراتيجية الصينية: العملة لا تصبح مؤثرة عالميًا بمجرد إصدارها، بل تحتاج إلى بنية تحتية مالية قادرة على استخدامها وتسويتها وإعادة تدويرها. لذلك عملت الصين على تطوير مجموعة من الأدوات التي تدعم تدويل اليوان، من بينها نظام CIPS للمدفوعات العابرة للحدود، وسوق العقود الآجلة للنفط في شنغهاي المقومة باليوان، إضافة إلى تجارب المدفوعات العابرة للحدود باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية، ومنها مشروع mBridge الذي شارك فيه بنك التسويات الدولية وعدد من البنوك المركزية. وتمنح هذه البنية الصين قدرة أكبر على تسوية بعض المعاملات خارج القنوات المالية الغربية. لكن يجب التمييز بين تقليل الاعتماد على النظام الدولاري في بعض المعاملات وبين إنشاء بديل كامل له؛ فـCIPS، على سبيل المثال، ليس نسخة مطابقة لـ«سويفت»، كما أن امتلاك بنية دفع لا يكفي وحده لمنافسة العمق والسيولة والثقة التي تتمتع بها الأسواق الدولارية.
لماذا لا يزال الدولار أقوى؟ اليوان أمام اختبار السيولة والثقة
إذا كان بإمكان الصين شراء النفط باليوان، فلماذا لم يحل اليوان محل الدولار حتى الآن؟ الإجابة تكمن في أن قوة العملة الدولية لا تُقاس فقط بحجم التجارة التي تستخدمها، بل بقدرة العالم على الاحتفاظ بها واستثمارها وتحويلها بحرية. الدولار يستفيد من حجم الاقتصاد الأمريكي، وعمق سوق سندات الخزانة، وسيولة الأسواق المالية، وقابلية استخدامه في التمويل والتحوط والتجارة العالمية، فضلًا عن شبكة واسعة من المؤسسات والأسواق التي تراكمت على مدى عقود. وفي المقابل، لا تزال الصين تفرض قيودًا على حركة رؤوس الأموال، كما أن الأسواق المالية الصينية أقل انفتاحًا وعمقًا من الأسواق الأمريكية. ولهذا ظل الفارق كبيرًا في احتياطيات البنوك المركزية؛ إذ تشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدولار شكّل نحو 56.8% من الاحتياطيات الرسمية العالمية في الربع الأخير من 2025، مقابل نحو 2% للرنمينبي الصيني. وبالتالي، فإن توسع استخدام اليوان في تجارة النفط لا يعني أن اليوان أصبح منافسًا مكافئًا للدولار؛ بل يعني أن مساحة استخدام الدولار بدأت تصبح أقل حصرية في بعض قطاعات التجارة الدولية.
من منافسة العملة إلى احتمال انقسام النظام المالي العالمي
المسألة الأكثر أهمية مستقبلًا ليست ما إذا كان اليوان سيحل محل الدولار، وإنما ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيتجه نحو تعدد مراكز التسوية المالية. فإذا اتسع قبول اليوان في تجارة النفط، ثم تبعته دول نفطية أخرى، فقد تصبح الشركات والدول قادرة على الاختيار بين قنوات تسوية مختلفة بحسب شريكها التجاري ومصالحها الجيوسياسية. وفي هذه الحالة قد يظهر ما يعرف بـ الانقسام المالي (Financial Bifurcation)؛ أي تحول النظام العالمي من شبكة مالية يغلب عليها معيار واحد إلى منظومات متوازية جزئيًا: واحدة تتمحور حول الدولار والأسواق الأمريكية، وأخرى تزداد فيها أهمية اليوان والبنية المالية الصينية. لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أكثر من اتفاقات ثنائية لبيع النفط باليوان؛ فهو يحتاج إلى أسواق مالية مفتوحة وعميقة، وقابلية أكبر لتحويل العملة، وثقة دولية طويلة الأجل في الأصول المقومة باليوان.
التحدي الحقيقي: ليس إسقاط الدولار بل تقليص اعتمادية العالم عليه
في النهاية، تكشف الاستراتيجية الصينية أن المعركة على الدولار النفطي ليست معركة على سعر برميل النفط فقط، وإنما على البنية المالية التي تقف خلف كل برميل. الصين لا تملك في الوقت الحالي القدرة على استبدال الدولار بوصفه العملة الرئيسية للنظام المالي العالمي، لكن لديها ما يكفي من الحجم التجاري والطلب على الطاقة والعلاقات مع الدول المصدرة لتجربة نموذج مختلف. وكلما استطاعت بكين تحويل اليوان من مجرد عملة دفع إلى عملة يمكن للدول استخدامها في التجارة والاستثمار والاحتفاظ بها، زادت قدرة هذا النموذج على التوسع. لذلك قد لا يكون السيناريو القادم هو «نهاية الدولار النفطي» بالمعنى المباشر، وإنما انتقال تدريجي من نظام يعتمد بصورة شبه مركزية على الدولار إلى نظام أكثر تعددًا في عملاته وقنواته المالية. وإذا بدأت دول نفطية رئيسية في قبول اليوان على نطاق واسع، فلن يكون التغيير في العملة التي تُكتب بها فاتورة النفط فحسب، بل في من يملك القدرة على تحديد مسار الأموال بعد بيع النفط، وأي نظام مالي يستفيد من دوران تلك الأموال.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!