معضلة التنمية الحضرية المستدامة

تواجه المدن العالمية الكبرى تحدياً مستمراً يتمثل في الموازنة بين التوسع العمراني الرأسمالي وبين الحفاظ على البيئة الحضرية والإرث التاريخي. تبرز هذه المعضلة بوضوح في التقارير الإخبارية اليومية، والتي كان آخرها موافقة مؤسسة مدينة لندن على مشروع "وان سيلك ستريت" (One Silk Street) الاستثماري، والذي يتضمن هدم مبنى قديم وتشييد برجين بارتفاع (20 و16 طابقاً) لزيادة المساحات المكتبية والتجارية، وذلك على الرغم من تسجيل أكثر من 1,000 اعتراض رسمي من السكان المحليين وجهات حماية التراث.

بالنسبة لنا في قسم الاقتصاد البيئي بجامعة اليمامة، فإن هذا الخبر لا يمثل مجرد حدث تخطيطي في عاصمة ضبابية، بل هو "دراسة حالة" (Case Study) حية تُجسد المفاهيم والنظريات الاقتصادية التي ندرسها، وتكشف كيف يتخذ صناع القرار خياراتهم عندما تتصادم المنافع الاستثمارية الخاصة مع التكاليف الاجتماعية والبيئية العامة.

ما هي البيئة الحضرية في الاقتصاد البيئي؟

لا تقتصر البيئة في مفهومنا الاقتصادي على الغابات والأنهار؛ بل تشمل "البيئة المبنية" (Built Environment) داخل المدن. إن الضوء الطبيعي، والهدوء السمعي، والمظهر البصري المتناسق، والحفاظ على المواقع الأثرية والتراثية (مثل مجمع باربيكان المجاور للمشروع والمصنف كموقع محمي من الدرجة الثانية) تُعد كلها أصولاً بيئية ومنافع عامة ذات قيمة اقتصادية واجتماعية غير ملموسة.

التحليل النظري للحالة: الآثار الخارجية السالبة (Negative Externalities)

يُعد مفهوم الآثار الخارجية (Externalities) حجر الزاوية في تفسير النزاع حول مشروع "One Silk Street". عندما تقوم الشركات المطورة بإنشاء أبراج شاهقة، فإنها تحقق عوائد استثمارية واقتصادية خاصة. في المقابل، يتحمل سكان مجمع "باربيكان" المجاور تكاليف غير تعويضية (آثار خارجية سالبة) مثل: حجب الضوء والشمس، وزيادة التلوث البصري والسمعي أثناء البناء والتشغيل، وتشويه الهوية المعمارية لمنطقتهم التاريخية.

في غياب التدخل التنظيمي، يؤدي هذا الوضع إلى فشل السوق (Market Failure)؛ لأن التكلفة الهامشية الخاصة للمطور أقل من التكلفة الهامشية الاجتماعية، وتُصاغ رياضياً كالآتي:

Social Cost (SMC) > Private Cost (PMC)

هذا الفارق يمثل "التكلفة الخارجية العابرة" التي يفرضها المشروع على المجتمع دون أن يدفع المطور ثمنها، مما يفسر تدفق أكثر من 1,000 اعتراض من المواطنين المتضررين الذين يدافعون عن حقوقهم البيئية والمعيشية.

أداة اتخاذ القرار: تحليل التكلفة والعائد الاجتماعي (Social Cost-Benefit Analysis)

يُظهر التقرير الصادر عن مسؤولي البلدية والبالغ طوله 571 صفحة استخداماً صريحاً لأداة تحليل التكلفة والعائد (CBA). لقد خلص التقرير إلى موازنة حاسمة بررت الموافقة على المشروع:

أداة اتخاذ القرار: تحليل التكلفة والعائد الاجتماعي (Social Cost-Benefit Analysis)

من منظور الاقتصاد البيئي، وافقت السلطات لأنها اعتبرت أن "المنافع الكلية المتوقعة تتفوق على الأضرار الهامشية"، وهو تطبيق عملي لمعيار كالدور-هيكس للكفاءة (Kaldor-Hicks Efficiency)، حيث يمكن للمكاسب الاقتصادية المحققة أن تغطي نظرياً الأضرار البيئية والاجتماعية، حتى وإن لم يتم تعويض المتضررين بشكل مباشر.

مرونة التصميم كآلية للوصول إلى الحل الأمثل (Optimal Level of Degradation)

يركز علم الاقتصاد البيئي على فكرة أنه لا يمكن تحقيق "تلوث صفري" أو "ضرر صفري" إذا أردنا استمرار التنمية، ولكن الهدف هو الوصول إلى المستوى الأمثل بيئياً واقتصادياً.

تراجع المطورون عن التصميم الأصلي (والذي كان يقضي ببناء برجين بارتفاع 20 طابقاً لكل منهما) ليصبح (برج بـ 20 طابقاً وبرج بـ 16 طابقاً) استجابة للاحتجاجات. هذا التراجع يمثل محاولة لتقليص المنفعة الهامشية المفقودة للمجتمع مقابل الحفاظ على جدوى المشروع الاستثماري. ومع ذلك، يرى ممثلو السكان أن التصميم الحالي لا يزال يمثل "جاراً مزعجاً"، مما يعني أن التوازن لم يصل بعد لنقطة الرضا المجتمعي الكامل، وأن القوة التنظيمية للبلدية هي التي حسمت النتيجة لصالح الاستثمار.

بصفتنا صناع قرار واقتصاديين بيئيين مستقبليين في المملكة العربية السعودية، تمنحنا حالة "One Silk Street" أبعاداً تحليلية هامة يمكن إسقاطها على واقعنا التنموي المتسارع ضمن رؤية المملكة 2030:

  • تقييم الأصول غير السوقية: كيف يمكننا قياس القيمة الاقتصادية للمظهر البصري والتراثي لحي تاريخي؟ (مثل مشاريع تطوير جدة التاريخية أو بوابة الدرعية)، وما هي الأدوات الاقتصادية الحديثة (مثل استبيانات التقييم المشروط Contingent Valuation أو تسعير المتعة Hedonic Pricing) المناسبة لتثمين هذه الأصول؟
  • التنمية العمودية وكفاءة الموارد: البناء العمودي يوفر الأراضي ويحد من الزحف العمراني الأفقي (مما يقلل انبعاثات النقل ويحمي البيئة المفتوحة)، ولكنه في الوقت نفسه يخلق كثافة بيئية وبصرية وضغطاً على البنية التحتية في نقطة واحدة. كيف نوازن اقتصادياً بين هاتين الميزتين؟
  • أهمية الحوكمة البيئية والمشاركة المجتمعية: يوضح النموذج البريطاني كيف يمكن للاعتراضات المنظمة أن تجبر المطور الاستثماري الكبير على تعديل تصاميمه وخفض الارتفاعات وتقديم مساحات عامة وثقافية كنوع من "التعويض البيئي والمجتمعي".

إن الاقتصاد البيئي ليس مجرد معادلات جافة، بل هو علم إدارة التناقضات وصناعة المستقبل المستدام. تدعونا هذه الحالة عبر منابر "مدونة" إلى تعميق بحوثنا حول كيفية صياغة سياسات تخطيطية في مدننا المحلية تضمن تدفق الاستثمارات الرأسمالية دون التفريط في جودة الحياة والحقوق البيئية للأجيال الحالية والمستقبلية.