كل سؤال نطرحه على تطبيق للذكاء الاصطناعي، وكل صورة أو تحليل يولّده، يعتمد في الخلفية على مراكز بيانات تضم أعدادًا ضخمة من الخوادم والمعالجات. وكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وازدادت قدراته، احتاج إلى قدرة حاسوبية أكبر، وبالتالي إلى مراكز بيانات أكثر وأقوى.

لكن بناء هذه المراكز لا يتوقف عند شراء رقائق متقدمة من شركات مثل إنفيديا. فالمعالجات تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء لتعمل، وتنتج أثناء تشغيلها حرارة مرتفعة يجب التخلص منها باستمرار. لذلك يحتاج مركز البيانات، إلى جانب الخوادم، إلى شبكة كاملة من معدات الكهرباء والتوزيع وأنظمة التبريد.

وهنا تظهر قصة اقتصادية أكبر من الرقائق نفسها.

تقدّر ماكينزي أن العالم سيحتاج إلى إنفاق نحو 6.7 تريليون دولار على مراكز البيانات حتى عام 2030 لمواكبة الطلب المتزايد على الحوسبة. وتشمل هذه الأموال بناء مراكز بيانات جديدة وتجهيزها بالخوادم والمعالجات، إضافة إلى البنية التحتية اللازمة لتشغيلها، مثل الكهرباء والتبريد والمعدات.

ومن إجمالي هذا الإنفاق، تتوقع ماكينزي أن يرتبط نحو 5.2 تريليون دولار بمراكز البيانات المستخدمة لتشغيل وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

والسؤال هنا لم يعد فقط: من يصنع المعالج الأقوى؟ بل أيضًا: من أين ستأتي الكهرباء اللازمة لتشغيله، وكيف ستُبرّد المعدات التي يعمل داخلها؟

عنق الزجاجة ينتقل إلى الكهرباء

المشكلة تبدأ عند التنفيذ. فبناء مركز البيانات وتجهيزه لا يكفي إذا لم تتوفر الكهرباء اللازمة لتشغيله، والحصول على هذه الكهرباء قد يستغرق وقتًا أطول بكثير من المتوقع.

فبحسب رويترز، قد ترغب شركات الحوسبة السحابية الكبرى في الحصول على مركز بيانات جديد خلال ستة أشهر فقط، لكن ربط المشروع بشبكة الكهرباء قد يستغرق عامين في بعض الأسواق الناشئة، وقد يتجاوز ثماني سنوات في بعض الأسواق المتقدمة.

وهذا التأخير مهم اقتصاديًا؛ لأن مركز البيانات لا يستطيع تشغيل خوادمه وخدمة عملائه قبل توفر الكهرباء، وبالتالي قد يتأخر أيضًا في تحقيق الإيرادات.

ومع زيادة عدد مراكز البيانات، ارتفع الطلب على المعدات اللازمة لإيصال الكهرباء إليها وتوزيعها داخلها. ومن الشركات المستفيدة من هذا الطلب HD Hyundai Electric، وهي شركة كورية متخصصة في تصنيع المعدات الكهربائية، مثل المحولات وأنظمة توزيع الكهرباء، التي تحتاجها مراكز البيانات لتشغيل خوادمها ومعداتها. وتظهر قوة الطلب على هذه المعدات في حجم أعمال الشركة؛ إذ بلغت قيمة الطلبات التي استلمتها ولم تنفذها بعد 8.5 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، حتى إن جزءًا كبيرًا من طاقتها الإنتاجية للمعدات الرئيسية أصبح محجوزًا للسنوات الثلاث المقبلة.

وهذا يكشف تحولًا مهمًا في سباق الذكاء الاصطناعي: التحدي لم يعد فقط توفير المعالجات، بل توفير الكهرباء والمعدات اللازمة لتشغيلها في الوقت المناسب.

كلما ازدادت قوة المعالج ارتفعت فاتورة الحرارة

المشكلة الثانية هي الحرارة. فمع ارتفاع كثافة القدرة، أي كمية الكهرباء المستخدمة داخل مساحة صغيرة من الخوادم، تصبح وسائل التبريد التقليدية أقل ملاءمة لأحمال الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقديرات بنك أوف أميركا التي نقلتها رويترز، قد يتجاوز استهلاك الطاقة للكابينة الواحدة المخصصة للذكاء الاصطناعي 1.5 ميغاواط بحلول نهاية 2030، أي ما يقارب 100 ضعف الكابينة التقليدية. وهذا لا يعني أن جميع مراكز البيانات ستصل إلى هذا المستوى، لكنه يوضح الاتجاه نحو أنظمة أكثر كثافة في استهلاك الطاقة.

وهنا تزداد أهمية التبريد بالسائل (Liquid Cooling)، حيث تستخدم السوائل لنقل الحرارة من المكونات مباشرة بدل الاعتماد الأساسي على الهواء. ويتوقع بنك أوف أميركا أن يمثل هذا النوع 70% من تركيبات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الجديدة بحلول 2030، مقارنة بنحو 30% حاليًا، فيما تنقل رويترز عن ماكينزي أن هذه الأنظمة يمكن أن تخفض استهلاك الطاقة بأكثر من 27% مقارنة بالتبريد بالهواء.

وهكذا لم يعد التبريد مجرد خدمة مساندة للمبنى، بل أصبح جزءًا من اقتصاديات القدرة الحاسوبية نفسها؛ لأنه يؤثر في عدد الخوادم الممكن تشغيلها واستهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل.

أين تذهب تريليونات الذكاء الاصطناعي؟

توزيع الاستثمارات المتوقعة يوضح لماذا لا ينبغي اختزال طفرة الذكاء الاصطناعي في إنفيديا وشركات أشباه الموصلات.

ضمن 5.2 تريليون دولار تقدر ماكينزي أن البنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي ستحتاج إليها حتى 2030، يتوقع أن يذهب نحو 25%، أو 1.3 تريليون دولار، إلى فئة “Energizers” التي تشمل توليد ونقل الكهرباء والتبريد والمعدات الكهربائية. في المقابل، يذهب 60% إلى تقنيات الحوسبة و15% إلى بناء المواقع والبنية المادية.

وهذا يعني أن البنية التحتية ليست أثرًا جانبيًا لازدهار الذكاء الاصطناعي، بل واحدة من أكبر وجهات رأس المال داخله.

كما أن الضغط على هذه البنية قد يستمر مع توسع الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي. فماكينزي تتوقع أن تصبح عمليات الاستدلال (Inference)، أي تشغيل النموذج لإنتاج الإجابات والتحليلات بعد تدريبه، العبء المهيمن للذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

في السعودية القصة تبدأ قبل الخادم

هذه التحولات لها أهمية مباشرة للمملكة.

في الخطة التي أعلنتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات عام 2021 لتطوير مراكز البيانات الضخمة، استهدفت المملكة تجاوز 1,300 ميغاواط من القدرة قبل 2030، مع استثمارات متوقعة بأكثر من 18 مليار دولار في مراكز البيانات ومشروعات الطاقة المتجددة المرتبطة بالقطاع.

ومن المهم الانتباه إلى أن هذه الأرقام أهداف لخطة أعلنت في 2021 وليست قياسًا للقدرة التشغيلية الحالية في 2026. لكنها تكشف أن الربط بين مراكز البيانات والطاقة كان جزءًا من التصور السعودي منذ البداية.

وهذا يعني أن نجاح توسع المملكة في مراكز البيانات لا يعتمد فقط على جذب الشركات السحابية أو شراء المعالجات المتقدمة، بل على سلسلة متكاملة تبدأ من توفر الكهرباء، مرورًا بالمحولات ومعدات التوزيع، ووصولًا إلى أنظمة التبريد القادرة على تشغيل أحمال حوسبة عالية الكثافة.

وفي المقابل، تفتح هذه السلسلة فرصة اقتصادية أوسع. فكل توسع في مراكز البيانات يولد طلبًا على التصميم والهندسة والبناء والمعدات الكهربائية وإدارة الحرارة والصيانة والتشغيل وربط الشبكات، وهي جميعها أجزاء من سلسلة القيمة التي ستستوعب الإنفاق العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي سيكون في تحويل الميغاواطات المعلنة إلى قدرة حاسوبية عاملة. فتخصيص الأرض أو الإعلان عن مركز بيانات لا يجعله أصلًا منتجًا؛ لا بد من اكتمال الكهرباء والتبريد والاتصال والمعدات قبل أن يبدأ في خدمة العملاء.

الطلب القوي لا يضمن أرباحًا قوية

مع ذلك، ليس كل مورد للمحولات أو أنظمة التبريد فائزًا تلقائيًا من طفرة الذكاء الاصطناعي.

فرويترز تشير إلى أن بعض موردي الطاقة والتبريد يواجهون تقييمات مرتفعة ومنافسة ونقصًا في المكونات. كما أوضح رئيس Delta Electronics أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة استمرار ارتفاع الهوامش، بسبب عوامل مثل تأخر عمليات النشر ونقص المكونات وتغير منصات المنتجات.

وهنا يظهر الفرق بين نمو السوق وجاذبية الاستثمار في شركة معينة. فالطلب قد يكون قويًا، بينما تتعرض أرباح المورد لضغط التكاليف أو المنافسة أو صعوبة توسيع الإنتاج.

كما تحذر ماكينزي من عدم اليقين حول الطلب المستقبلي على القدرة الحاسوبية؛ فالاستثمار الزائد قد يترك أصولًا لا تحقق العائد المطلوب، بينما الاستثمار الأقل من الحاجة قد يؤدي إلى فقدان فرص النمو.

لذلك، ليست الفكرة أن الطاقة والتبريد هما «إنفيديا الجديدة»، بل أن القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي أصبحت موزعة على منظومة أوسع بكثير من صناعة الرقائق.

ما الذي يستحق المراقبة؟

خلال الأعوام المقبلة، قد يكون أحد أهم المؤشرات أقل إثارة من أسعار أسهم شركات الرقائق: كم من القدرة المعلنة أصبح قادرًا فعليًا على العمل؟

عالميًا، ستكون مدد الربط بالشبكات، وفترات توريد المعدات الكهربائية، وانتشار التبريد بالسائل، وقدرة الموردين على زيادة الإنتاج دون الضغط على الهوامش، من المؤشرات المهمة لمعرفة مدى سرعة تحول الاستثمارات الضخمة إلى قدرة حاسوبية فعلية.

وفي السعودية، يصبح السؤال: كيف تتحول خطط توسعة مراكز البيانات إلى منظومة متكاملة من القدرة الكهربائية والتبريد والبنية الرقمية؟

قد تظل إنفيديا وغيرها من شركات الرقائق الواجهة الأكثر وضوحًا لثورة الذكاء الاصطناعي، لكن خلف كل شريحة متقدمة توجد كهرباء يجب توليدها ونقلها، وحرارة يجب التخلص منها، ومشروع يجب ربطه بالشبكة قبل أن ينتج أول وحدة حوسبة. ومع اقتراب الإنفاق العالمي المطلوب على مراكز البيانات من 7 تريليونات دولار حتى 2030، قد لا يكون السؤال الاستثماري الأهم فقط: من يصنع أفضل معالج؟ بل أيضًا: من يستطيع توفير الطاقة والتبريد والبنية التحتية التي تسمح لهذا المعالج بالعمل أصلًا؟