لا يحتاج مصنع الأغذية في السعودية إلى انتظار دورة اقتصادية مواتية كي يجد زبائنه. فالسوق نفسها تكبر، والمستهلك يصبح أصغر سناً وأكثر حضرية ورقمية، فيما تتغير الأسرة وطريقة شراء الطعام. خلف صناعة غذائية تقدر بنحو 200 مليار ريال توجد قصة ديموغرافية قد تكون أهم من أي مصنع جديد: ملايين المستهلكين الإضافيين، وعقود من الطلب المتراكم.
في تجارة الغذاء، قد يكون الرقم الأكثر أهمية في السعودية ليس حجم مصنع ولا إيرادات شركة مدرجة.
إنه 35.3 مليون نسمة.
ذلك هو عدد السكان الذي يستند إليه تقرير «صناعة الأغذية في المملكة العربية السعودية» لعام 2025. لكن الرقم وحده لا يفسر جاذبية السوق. الأهم أن هذه الكتلة السكانية شابة، شديدة التحضر، وما زالت تنمو.
نحو 63% من المواطنين السعوديين دون سن الثلاثين. ويعيش قرابة 92% من السكان في المدن. وتبلغ الفئة العمرية النشطة بين 15 و65 عاماً نحو 74.7% من إجمالي السكان، فيما يقترب وسيط العمر من 29 عاماً. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال اقتراب عدد السكان من 40 مليون نسمة بحلول 2030.
بالنسبة إلى شركات الأغذية، لا تمثل هذه أرقاماً ديموغرافية فحسب.
إنها خريطة للمبيعات المقبلة.
النمو الذي يأتي قبل أن تبيع شيئاً
هناك طريقتان أساسيتان أمام شركة غذائية كي تنمو.
الأولى أن تنتزع حصة من منافسيها. والثانية أن تكبر السوق نفسها.
في السعودية، تتمتع الشركات بدرجة من الاثنين.
فعندما يزيد عدد السكان، يحتاج الاقتصاد تلقائياً إلى مزيد من الحليب والخبز والمياه والدواجن والأرز والقهوة والوجبات والمطاعم، حتى لو ظل استهلاك الفرد ثابتاً تماماً.
هذا ما يمكن تسميته بالنمو الهيكلي للطلب: نمو لا يعتمد فقط على حملة تسويقية ناجحة أو منتج جديد، بل على تغيرات طويلة الأجل في عدد السكان وتركيبتهم وطريقة حياتهم.
ولهذا تختلف صناعة الغذاء عن قطاعات كثيرة أخرى.
يمكن لأسرة تأجيل شراء سيارة أو أثاث جديد إذا تباطأ الاقتصاد. لكنها لا تستطيع تأجيل الطعام بالسهولة نفسها. ولهذا يصف التقرير الغذاء بأنه قطاع يتمتع بطلب «دفاعي»؛ أي أن الطلب عليه أقل حساسية لتقلبات الدورة الاقتصادية من قطاعات مثل العقارات والمقاولات.
وعندما يضاف إلى هذه الخاصية نمو السكان، تتحول الديموغرافيا إلى ما يشبه ريح خلفية دائمة للمبيعات.
السوق لا تكبر فقط.. بل تتغير
لو كان عدد السكان هو كل القصة، لكانت مهمة الشركات بسيطة: إنتاج كميات أكبر من المنتجات نفسها.
لكن السعودية تقدم حالة أكثر تعقيداً.
فالمستهلك الجديد ليس نسخة إضافية من المستهلك القديم.
إنه في الغالب أصغر سناً، يعيش في مدينة، يستخدم الهاتف في الشراء، ويتعرض لعدد أكبر من العلامات التجارية والمطابخ العالمية، ويطالب بسرعة أعلى وخيارات أوسع.
وهذا يعني أن الديموغرافيا تغير حجم السوق وتركيبها في الوقت نفسه.
لفترة طويلة دارت المائدة السعودية حول مجموعة مستقرة من المنتجات؛ الأرز واللحوم والتمور، والوجبات العائلية الكبيرة، والطهي المنزلي. وما تزال هذه الأنماط قوية؛ إذ يشير التقرير إلى استهلاك للفرد يبلغ نحو 45.8 كيلوغراماً من الأرز سنوياً ونحو 38.6 كيلوغراماً من التمور.
لكن حول هذه القاعدة التقليدية تنمو مائدة أخرى.
قهوة مختصة. وجبات جاهزة. منتجات عالية البروتين. أغذية منخفضة السكر. طلبات تصل عبر الهاتف. بقالة إلكترونية. مطاعم عالمية. ومياه ومشروبات ومنتجات تحمل قيمة أعلى من مجرد السعرات الحرارية.
النمو السكاني إذن لا يضيف أفواهاً جديدة فقط.
إنه يضيف أذواقاً جديدة أيضاً.
63% تحت الثلاثين
من بين الأرقام الديموغرافية كلها، قد يكون 63% الأكثر تأثيراً في صناعة الغذاء السعودية.
فتلك هي حصة المواطنين دون سن الثلاثين وفق التقرير.
هذه الفئة لا تحدد فقط ما يُباع اليوم، بل ما ستبدو عليه السوق بعد عشر سنوات أو عشرين.
المستهلك الأصغر سناً أسرع في تجربة العلامات والمنتجات الجديدة، وأكثر تعرضاً للتقييمات والمنصات الاجتماعية، وأشد اعتياداً على اتخاذ قرار الشراء عبر شاشة.
ولهذا فإن صعود التوصيل والقهوة المختصة والأطعمة الصحية ليس مجموعة ظواهر منفصلة. كلها انعكاسات جزئية لتحول ديموغرافي أكبر.
ومن منظور شركة أغذية، تصبح المسألة شبيهة بإدارة محفظة استثمارية.
العلامة التي تتمركز بالكامل في فئة يفضلها جيل أكبر قد تحقق تدفقات مستقرة اليوم، لكنها تخاطر بفقدان الصلة مستقبلاً. أما العلامة القادرة على الحفاظ على منتجاتها الأساسية وفي الوقت نفسه الدخول في فئات يفضلها المستهلك الأصغر، فتملك فرصة أكبر للنمو مع السوق نفسها.
ولهذا لا تكافئ صناعة الغذاء الشركات التي تعرف كيف تصنع الطعام فحسب.
بل الشركات التي تعرف من سيأكله بعد خمس سنوات.
عندما انتقلت السوق إلى المدن
العامل الثاني هو التحضر.
حين يعيش نحو 92% من السكان في المدن، فإن ما يتغير ليس العنوان البريدي فقط.
تتغير المسافة إلى المتاجر، وأوقات العمل، وحجم المنزل، وحركة المرور، وإيقاع اليوم، وطريقة تناول الوجبات.
في البيئات الحضرية، تصبح الراحة منتجاً اقتصادياً في حد ذاتها.
الطعام الذي يصل أسرع يكتسب قيمة. والمنتج الذي يحتاج وقتاً أقل في التحضير يكتسب قيمة. والمتجر الموجود على الهاتف يكتسب قيمة.
وهذا يساعد على تفسير صعود فئات مثل المجمدات والوجبات الجاهزة وشبه الجاهزة والخضروات المقطعة والصلصات المحضرة، فضلاً عن التوصيل والبقالة الإلكترونية.
كما يفسر سبب اعتبار التقرير الأغذية الجاهزة والمجمدة من القطاعات ذات النمو المرتفع مستقبلاً.
فالتحضر لا يجعل السكان يأكلون أكثر بالضرورة؛ لكنه يغير من يعد الطعام، وأين يُشترى، ومتى يُستهلك، ومن يحصل على هامش الربح.
من مطبخ إلى تطبيق
أوضح مثال على إعادة توزيع القيمة في السوق السعودية يأتي من تطبيقات التوصيل.
بحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغ حجم سوق توصيل الطلبات نحو 13 مليار ريال في 2023، فيما تشير التقديرات التي يستشهد بها التقرير إلى وصوله إلى نحو 50 مليار ريال في 2026.
حتى مع التعامل مع الرقم الأخير باعتباره تقديراً مستقبلياً، فإن الاتجاه واضح: قناة كانت هامشية نسبياً قبل عقد أصبحت جزءاً أساسياً من اقتصاد الطعام.
وهنا لا يغير التطبيق فقط طريقة وصول الوجبة.
إنه يخلق طرفاً جديداً يشارك المطعم والمصنع والمتجر في القيمة التي يدفعها المستهلك.
كما يحصل على شيء قد يكون أكثر أهمية من العمولة: البيانات.
ماذا يطلب الناس؟ وفي أي ساعة؟ وأي منطقة؟ وبأي سعر؟ وما المنتج الذي يعاد شراؤه؟
لذلك يرى التقرير أن منصات التوصيل والبقالة الرقمية أصبحت من أغنى مصادر البيانات عن سلوك المستهلك السعودي، ومختبراً سريعاً لاختبار المنتجات الجديدة.
بالنسبة إلى شركات الغذاء، لم يعد التنافس محصوراً في امتلاك أفضل رف في السوبرماركت.
أصبح عليها أيضاً الفوز بمكان جيد على شاشة الهاتف.
الأسرة الأصغر تغير العبوة أيضاً
هناك رقم ديموغرافي أكثر هدوءاً، لكنه مهم للشركات: يبلغ متوسط حجم الأسرة السعودية نحو 4.8 أفراد، مع اتجاه نحو تنامي الأسر النووية.
تغير حجم الأسرة يؤثر في تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها تساوي الكثير من المال للمصنعين وتجار التجزئة.
حجم العبوة، مثلاً.
المنتج المصمم لعائلة كبيرة قد لا يكون الأنسب لأسرة أصغر. ويتغير معه حجم سلة التسوق، وعدد مرات الذهاب إلى المتجر، ونسب الهدر، والطلب على المنتجات الفردية أو سهلة التخزين.
وفي اقتصاد الأغذية، هذه التفاصيل هي التي تحدد أحياناً أي منتج ينجح وأي خط إنتاج يصبح عبئاً.
الديموغرافيا تتحول هنا من علم للسكان إلى قرار على خط التعبئة.
نحو 40 مليوناً
إذا اقترب السكان فعلاً من 40 مليون نسمة بحلول 2030 كما تشير التوقعات التي يستشهد بها التقرير، فإن القطاع سيواجه سوقاً أكبر بنحو ملايين المستهلكين خلال سنوات قليلة.
بالتوازي، تضع تقديرات التقرير سوق الأغذية والمشروبات الاستهلاكية عند نحو 90 مليار ريال في 2025، متجهة إلى قرابة 108 مليارات ريال في 2030.
أما تعريف السوق الأوسع، الذي يضم الإنتاج والتصنيع والتوزيع، فيضع حجمه المحتمل قرب 214 مليار ريال بحلول 2030. وهذه تقديرات تختلف باختلاف تعريف السوق والمصدر، وهي نقطة ينبه إليها التقرير نفسه.
لكن الاتجاه أهم من الرقم الدقيق.
السوق تتسع لأن قاعدة المستهلكين تتسع.
والإنفاق يتغير لأن حياة المستهلكين تتغير.
ليس كل نمو ديموغرافي ربحاً
هنا يأتي التحفظ الذي تميل إليه قراءة على طريقة Bloomberg.
ارتفاع السكان لا يضمن ارتفاع الأرباح بنفس النسبة.
فالشركات تتنافس على المستهلك نفسه، وتواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتبريد، وتقلب أسعار السلع، ودخول علامات دولية، وصعود منتجات العلامات الخاصة، وضغوطاً تنظيمية مرتبطة بالصحة والسكر والملح.
بل قد تنمو السوق بسرعة في حين تتراجع شركة بعينها إذا أخفقت في فهم التغير.
يقدم التقرير شركة هرفي مثالاً مفيداً؛ إذ واجهت سنوات من الخسائر مع اشتداد المنافسة وتحول الطلب باتجاه قنوات التوصيل، قبل ظهور مؤشرات تحسن لاحقة.
الرسالة واضحة: الديموغرافيا توسع الكعكة، لكنها لا تقرر من يحصل على القطعة الأكبر.
الرهان الحقيقي على المستهلك القادم
لهذا فإن السؤال الاستثماري حول صناعة الغذاء السعودية لا ينبغي أن يكون فقط: كم سيصبح عدد السكان؟
بل: من سيكون هؤلاء السكان؟
شاب أم مسن؟ يعيش في مدينة أم قرية؟ يطبخ أم يطلب؟ يشتري من رف أم تطبيق؟ يبحث عن السعر أم الصحة أم التجربة؟ يعيش في أسرة من سبعة أفراد أم ثلاثة؟
هذه الأسئلة تحدد مستقبل الشركات أكثر من عدد السكان المجرد.
السعودية تمتلك اليوم تركيبة غير معتادة في كثير من الاقتصادات الكبرى: قاعدة سكانية شابة، وتحضراً مرتفعاً، وسكاناً ما زال عددهم مرشحاً للنمو، بينما تعاني أسواق مثل اليابان وأجزاء من أوروبا من الشيخوخة وانكماش قاعدة المستهلكين.
وهذا يمنح صناعة الغذاء السعودية ميزة لا تستطيع الشركات بناءها في مصنع أو شراؤها في صفقة استحواذ:
سوقاً محلية تكبر من الداخل.
لكن الاستفادة منها ستذهب إلى الشركات التي تدرك أن الـ35 مليون مستهلك ليسوا سوقاً واحدة ثابتة.
إنهم سوق يتحرك بسرعة — نحو المدن، ونحو الشاشات، ونحو الراحة والصحة والتجربة.
وبحلول الوقت الذي تقترب فيه السعودية من 40 مليون نسمة، قد لا يكون السؤال الأكبر كم زاد الطلب على الغذاء.
بل كم تغير معنى الغذاء نفسه بالنسبة إلى المستهلك السعودي.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!