تشير بيانات Euromonitor International إلى أن مبيعات تجارة التجزئة الإلكترونية في السعودية بلغت نحو 48.7 مليار ريال في 2025. وفي تقريرها عن قطاع التجزئة ككل، تقدر الشركة قيمة مبيعات التجزئة السعودية بنحو 436.1 مليار ريال في العام نفسه.

قسمة الرقم الأول على الثاني تعطينا نحو:

11.2%

أي أن ما يقارب ريالًا واحدًا من كل تسعة ريالات تقريبًا تنفق في تجارة التجزئة السعودية يمر عبر التجارة الإلكترونية وفق تعريف Euromonitor.

وهنا تظهر الفكرة الاقتصادية الأهم.

السوق جذابة للمستثمرين ليس فقط لأنها أصبحت كبيرة، بل لأن جزءًا كبيرًا من الإنفاق لا يزال يتم خارج القنوات الإلكترونية.

وهو ما يسميه المستثمرون أحيانًا مساحة النمو (Headroom): الفرق بين الحجم الذي وصل إليه السوق والحجم الذي يمكن أن يصل إليه إذا استمر تغير سلوك المستهلك.

وهذا لا يعني أن كل مبيعات المتاجر ستنتقل يومًا إلى الإنترنت، ولا أن النمو مضمون. بعض المنتجات بطبيعتها أكثر ملاءمة للمتاجر، وبعض المستهلكين يريدون رؤية المنتج أو تجربته، كما أن تكاليف الشحن والإرجاع والتوصيل قد تجعل البيع الإلكتروني أقل جاذبية في بعض الفئات.

لكن انخفاض الاختراق الرقمي نسبيًا، بالتزامن مع تدفق رأس المال، يفسر لماذا ينظر المستثمرون إلى السوق باهتمام.

ماذا تعني DTC؟ ولماذا تهتم بها الشركات؟

الرسم الذي عرضته Bloomberg Intelligence، بالاستناد إلى Euromonitor/Passport، يقدم زاوية مختلفة تمامًا.

يتصدر عدد من الشركات الإقليمية والسعودية حصص المبيعات الإلكترونية المباشرة للمستهلك في قطاعاتها، ومن أبرزها:

صافولا 30.8%، إكسترا 28.8%، جرير 22.4%، والدواء 19.5%.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة.

مصطلح DTC أو Direct-to-Consumer يعني «البيع المباشر للمستهلك».

تخيل شركة تبيع منتجها بثلاث طرق.

قد تبيعه في متجرها التقليدي، أو عبر منصة وسيطة مثل سوق إلكتروني كبير، أو عبر موقعها وتطبيقها هي مباشرة.

وفي سياق هذا الرسم، يشير DTC بصورة مبسطة إلى المبيعات الإلكترونية التي تتم عبر القناة الرقمية المباشرة للشركة، بدل الاعتماد على منصة وسيطة.

والميزة الاقتصادية لهذا النموذج أن الشركة لا تملك فقط عملية البيع، بل تملك أيضًا جزءًا أكبر من العلاقة مع العميل.

تعرف ماذا اشترى، ومتى اشترى، وكم مرة عاد، وما العروض التي استجاب لها.

وهذه البيانات قد تصبح أصلًا اقتصاديًا مهمًا بحد ذاتها.

لكن الـDTC ليس «مالًا مجانيًا»

قد يبدو من السهل القول: لماذا لا تبيع جميع الشركات مباشرة للمستهلك وتتخلص من المنصات الوسيطة؟

لأن الوسيط يؤدي وظائف اقتصادية حقيقية.

المنصة الكبيرة قد تجلب ملايين العملاء، وتدير عمليات الدفع، وتسهم في التوصيل، وتوفر الثقة والمقارنة بين المنتجات.

عندما تقرر الشركة البيع مباشرة، فإنها قد توفر جزءًا من العمولة، لكنها تتحمل في المقابل مسؤوليات أكبر:

جذب العميل، وتشغيل الموقع أو التطبيق، وتسويق المنتجات، وتحصيل المدفوعات، وتجهيز الطلب، والتوصيل، وخدمة العملاء، وإدارة المرتجعات.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

هل DTC أفضل من البيع عبر المنصات؟

بل:

متى تكون قيمة امتلاك العميل أكبر من تكلفة الوصول إليه وخدمته؟

وهذه واحدة من أهم المسائل التي يدرسها اليوم العاملون في التجارة الإلكترونية.

ماذا يقول لنا تفوق صافولا وإكسترا وجرير؟

هنا يجب تجنب خطأ شائع.

عندما يقول الرسم إن حصة صافولا تبلغ 30.8%، فهذا لا يعني أن 30.8% من إجمالي مبيعات صافولا تأتي من الإنترنت.

وبحسب الملاحظة الموجودة أسفل الرسم، فإن الرقم يمثل حصة الشركة من إجمالي سوق DTC الإلكتروني في القطاع الذي تعمل فيه.

فصافولا - من خلال نشاطها ذي الصلة بالتجزئة الغذائية - تُقارن بالشركات الموجودة في سوقها، بينما إكسترا وجرير تُقاسان داخل الأسواق التي تنافسان فيها.

لذلك لا ينبغي مقارنة الأرقام وكأن الشركات الثماني تتنافس على سوق واحد.

هذه ليست مسابقة بين صافولا وجرير على العميل نفسه، بل مؤشر على القوة الرقمية لكل شركة داخل قطاعها.

وهذا التفصيل الصغير يغيّر تفسير الرسم بالكامل.

من المتجر إلى «منظومة تجارة»

أحد التحولات المثيرة في الاقتصاد الرقمي أن التجارة الإلكترونية لم تعد تعني إنشاء موقع ووضع المنتجات فيه.

خلف الزر الذي يضغط عليه المستهلك لشراء هاتف أو كتاب أو مواد غذائية توجد منظومة طويلة:

مخزون، ومستودعات، ومدفوعات، وتحليل بيانات، وتنبؤ بالطلب، وتسعير، وتسويق رقمي، ومراكز تنفيذ طلبات، وشركات توصيل، وخدمة عملاء، وإدارة مرتجعات.

ولهذا يشير RLC Global Forum إلى أن الاستثمار المرتبط بالتجارة الإلكترونية يتوسع إلى اللوجستيات وتنفيذ الطلبات والبنية التحتية الرقمية، وليس إلى المتاجر الإلكترونية وحدها.

وهنا قد تكون فرصة السعودية أكبر من مجرد ارتفاع مبيعات التسوق عبر الإنترنت.

كلما نمت التجارة الإلكترونية، تنشأ حولها أسواق مساندة.

شركة لا تبيع منتجًا واحدًا للمستهلك قد تبني مستودعات للمتاجر.

وأخرى تطور أنظمة دفع.

وثالثة تحلل سلوك المشترين.

ورابعة تدير «الميل الأخير»، أي المرحلة الأخيرة من رحلة المنتج من مركز التوزيع إلى باب العميل.

وبذلك يصبح نمو التجارة الإلكترونية نموًا لـسلسلة اقتصادية كاملة.

ما الذي ينبغي قراءته خلف هذه الأرقام؟

وتزداد دلالة هذه المساحة عندما نضعها بجوار حركة رأس المال؛ إذ استحوذت السعودية على نحو 93% من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول الخليج خلال 2025، مقابل 46% في 2021، بحسب البيانات التي عرضتها Bloomberg Intelligence.

القيمة الحقيقية هي فهم العلاقة بين الأرقام.

الاستثمار يخبرنا أين يضع رأس المال رهاناته.

نسبة الاختراق Penetration تخبرنا إلى أي مدى أصبح السلوك الرقمي جزءًا من السوق.

الحصة السوقية Market Share تخبرنا بموقع شركة مقارنة بمنافسيها.

وDTC يخبرنا بمن يملك العلاقة المباشرة مع العميل.

وعندما نجمع المؤشرات الأربعة، تتغير الصورة.

السعودية لا تظهر في البيانات كسوق إلكترونية «اكتملت»، وإنما كسوق تجذب قدرًا كبيرًا من رأس المال في وقت لا تزال فيه نسبة كبيرة من تجارة التجزئة خارج الإنترنت.

وهذه تحديدًا هي المسافة التي يحاول المستثمرون والشركات استكشافها.

الفرصة ليست ضمانًا

هناك فرق بين وجود مساحة للنمو وبين تحقق النمو فعلًا.

قد ترتفع المبيعات الإلكترونية، لكن تكلفة استقطاب العميل ترتفع معها.

قد تزيد الطلبات، لكن توصيل الطلب الواحد قد يكون مكلفًا.

وقد تحقق الشركة نموًا قويًا في الإيرادات بينما تتعرض هوامش أرباحها للضغط بسبب الخصومات والشحن والإرجاع.

لذلك فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط:

من يبيع أكثر عبر الإنترنت؟

بل أيضًا:

من يستطيع تحويل كل عملية بيع إلكترونية إلى علاقة مربحة ومستدامة مع العميل؟

وهذا هو الانتقال الحقيقي من التفكير في «متجر إلكتروني» إلى التفكير في اقتصاد التجارة الإلكترونية.