عندما تُذكر كلمة "الطاقة"، يتبادر النفط إلى الذهن أولًا. غير أن مفهوم الطاقة اليوم أصبح أوسع من ذلك بكثير، فهو يشمل الكهرباء والطاقة المتجددة والهيدروجين والشبكات الذكية، بل يمتد إلى الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وفي هذا الإطار، تحركت المملكة مع جيرانها وأشقائها، ووقّعت ثلاث مذكرات تفاهم جديدة، لكل منها طابعها الخاص.
ماذا حدث؟
وقّع وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان ثلاث مذكرات تفاهم مع وزراء من الكويت وقطر ومصر، تهدف إلى توسيع التعاون بين المملكة وهذه الدول في مجالات متعددة من الطاقة.
وقبل الدخول في التفاصيل، ما المقصود بـ"مذكرة التفاهم"؟ هي ببساطة اتفاق مبدئي يرسم الإطار العام ويحدد المجالات التي سيتعاون فيها الطرفان، ثم تأتي بعدها المشاريع والعقود التفصيلية. أي إنها الخطوة الأولى التي تفتح باب التعاون.
مع الكويت: الكهرباء وربط الشبكات
جاءت المذكرة الأولى مع وزير الكهرباء والماء والطاقة المتجددة الكويتي الدكتور صبيح المخيزيم، ويتمحور تركيزها الأساسي حول الكهرباء.
وتشمل التعاون في الكهرباء والطاقة المتجددة، وربط الشبكات الكهربائية بين البلدين، وتصدير الكهرباء، وكفاءة الطاقة وتخزينها، والشبكات الذكية. كما تمتد إلى مجالات مثل التحول الرقمي والابتكار والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
فما المقصود بربط الشبكات؟ يعني ذلك أن تكون شبكات الكهرباء في البلدين متصلة ببعضها، فإذا تعرضت إحداها لضغط في أوقات الذروة، كما يحدث في أشد أيام الصيف حرارة، تستطيع الأخرى إمدادها بالكهرباء. والفكرة ليست جديدة على المنطقة، إذ يوجد ربط كهربائي خليجي يجمع دول مجلس التعاون منذ سنوات، وتفتح المذكرة الباب أمام تعاون أوسع بين البلدين في هذا الجانب. أما الشبكات الذكية، فهي شبكات توظف التقنية لتوزيع الكهرباء بكفاءة أعلى واكتشاف الأعطال بسرعة.
إضافة إلى ذلك، سيعمل البلدان على تطوير شراكات استراتيجية بين مؤسساتهما، وتوطين المواد والمنتجات والخدمات المرتبطة بالطاقة، أي تصنيعها وتقديمها محليًا بدلًا من استيرادها، وتعزيز التعاون بين الشركات العاملة في هذه المجالات.
وتتضمن المذكرة كذلك التعاون في تقنيات وحلول التخفيف من التغير المناخي، ومنها حلول "الاقتصاد الكربوني الدائري"، وهو مفهوم تتبناه المملكة يقوم على التعامل مع الكربون كأي مورد آخر، من خلال تقليل انبعاثاته، وإعادة استخدامه، وإعادة تدويره، وإزالته.
مع قطر: من النفط إلى الهيدروجين
أما المذكرة الثانية، فوُقّعت مع وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري المهندس سعد بن شريده الكعبي، وتغطي مجالات عديدة، هي: النفط والمنتجات البترولية، والغاز ومشتقاته، والتكرير، والبتروكيماويات، والكهرباء، والهيدروجين النظيف ومشتقاته، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة وتخزينها.
ويستحق الهيدروجين وقفة خاصة، فهو وقود لا ينتج عن استخدامه ثاني أكسيد الكربون، والناتج الأساسي عنه هو بخار الماء. ويُقصد بوصفه "نظيفًا" أنه يُنتَج بطرق منخفضة الانبعاثات. وتنظر إليه دول كثيرة بوصفه أحد أهم أنواع وقود المستقبل.
وسيبحث البلدان فرص إقامة مشاريع مشتركة، منها خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز وتصديرهما، وتطوير مواد بتروكيماوية مستدامة لاستخدامها في البناء وقطاعات أخرى، إلى جانب التعاون في البنية التحتية التي تدعم الوصول إلى الطاقة.
واللافت أن المذكرة تشمل تعاون البلدين في المفاوضات والمنتديات والمنظمات الدولية المعنية بتحولات الطاقة والتغير المناخي، مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس، ولجنة التفاوض الحكومية الدولية المكلفة بوضع صك دولي ملزم قانونًا بشأن التلوث البلاستيكي.
ولماذا يكتسب ذلك أهمية؟ لأن البلاستيك يُصنع من البتروكيماويات، وأي قيود دولية عليه تمس صناعة مهمة للبلدين، ومن شأن التنسيق بينهما في هذه المفاوضات أن يمنح موقفهما ثقلًا أكبر.
مع مصر: النفط والغاز ومحطات الوقود
ووُقّعت المذكرة الثالثة مع وزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس كريم بدوي، وتركز على النفط والغاز ومشتقاتهما.
وتشمل التعاون في النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي، بما في ذلك تجارتها ومناولتها ونقلها وتخزينها وتوزيعها، إضافة إلى تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
ومن أبرز ما يميز هذه المذكرة أنها تنقل خبرات سعودية إلى مصر بشكل مباشر، منها خبرة المملكة في تأهيل محطات الوقود ومراكز الخدمة وتشغيلها وصيانتها، وتجربتها في فتح قطاع غاز البترول المسال أمام المنافسة، وهو الغاز المستخدم في أسطوانات الطبخ المنزلية.
كما توسع المذكرة التعاون في مجال البتروكيماويات، والاستثمار في المشاريع القائمة والمخطط لها.
لماذا تكتسب هذه المذكرات أهمية؟
نصّت المذكرة مع مصر صراحةً على أهداف التعاون، وهي: تعزيز تكامل أسواق الطاقة، ورفع مرونة سلاسل الإمداد وموثوقيتها، وتعزيز أمن الطاقة، والمساعدة في تلبية الطلب في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
وعند التأمل في المذكرات الثلاث، يتضح أن كل مذكرة صيغت بما يتناسب مع طبيعة الدولة الشريكة. فمع الكويت ينصب التركيز على الكهرباء وربط الشبكات، لكونها جارًا مباشرًا، وتبادل الكهرباء بين الدول المتجاورة أيسر وأجدى. ومع قطر ينصب التركيز على الغاز والهيدروجين والتنسيق الدولي، إذ تُعد قطر من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدّريه في العالم. أما مع مصر، فالتركيز على تجارة النفط والغاز ونقل الخبرات، لأنها سوق ضخمة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، ويجعلها موقعها بين البحر الأحمر والبحر المتوسط محطة مهمة لنقل الطاقة وتجارتها.
وبوجه عام، يسهم تنويع الشراكات على هذا النحو في تعزيز أمن الطاقة في المنطقة بأسرها، ويفتح أمام المملكة فرصًا جديدة لشركاتها ومنتجاتها وخبراتها.
كيف ستُطبَّق هذه المذكرات؟
تمثل مذكرات التفاهم نقطة البداية، وعادةً ما تشرع الجهات والشركات في كل بلد بعدها في تحويل هذا الإطار إلى مشاريع وعقود فعلية، بأرقام وجداول زمنية واضحة.
وفي المذكرة مع مصر، على سبيل المثال، نُصّ على أن تُنفَّذ جميع الأنشطة وفق أنظمة البلدين وقوانينهما، وعلى أسس تجارية تخدم مصالحهما المشتركة، أي إنها شراكة تجارية يستفيد منها الطرفان.
لم تعد مجرد برميل!
لم تعد الطاقة مجرد برميل نفط. فالمملكة تبني حولها شبكة شراكات متنوعة: كهرباء وربط شبكات مع الكويت، وغاز وهيدروجين وتنسيق دولي مع قطر، ونفط وغاز ونقل خبرات مع مصر. والهدف منطقة أقوى في أمن الطاقة، وأسواق أوسع، وتنسيق أكبر في القضايا التي سترسم مستقبل صناعة الطاقة بأكملها.
تنويه:
هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر إخبارية منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.