قد يبدو “الإنهاك الوظيفي” مفهومًا نفسيًا يُتداول في الممرات، لكنها في الحقيقة ظاهرة اقتصادية تشغيلية: عندما ترتفع التوقعات أسرع من الموارد، يصبح الإنسان هو “عنق الزجاجة” الذي يحدد السرعة القصوى للعمل—ثم يدفع الثمن.

هذا ما يلتقطه مقال Marketing Week عبر شهادات من مدربين وقادة تسويق وأكاديميين: كثيرون يعيشون شعورًا مركبًا من ضغط، وخوف، وفقدان أمان. لا لأنهم “أضعف”، بل لأن بيئة العمل تغيّرت: من دورات عمل فيها مواسم هدوء إلى وضع “دائم التشغيل”.

كوفيد لم يغيّر مكان العمل فقط… بل أزال الحدود

أكبر أثر للجائحة لم يكن العمل عن بعد بحد ذاته، بل تآكل الحدود بين “وقت العمل” و”وقت الحياة”. حين تصبح الاجتماعات ممكنة في أي ساعة، والرسائل تتدفق بلا توقف، يتحول “التواجد” إلى معيار غير معلن للأداء. ومع الوقت، يفقد الموظف ما يحتاجه الجهاز العصبي ليهدأ: نهاية واضحة لليوم، وإحساس بأن الغد يبدأ من طاقة جديدة لا من بقايا طاقة اليوم.

هنا يظهر معنى الاحتراق الوظيفي في سياق مبسّط: هو استنزاف طويل يجعل أبسط المهام ثقيلة، ويقلل القدرة على التركيز، ويزيد الحساسية للضغط.

اقتصاد متوتر + سوق وظائف هش = الخوف مديرٌ صامت

حين يمر الاقتصاد بفترة عدم يقين، يصبح الحفاظ على الوظيفة هدفًا بحد ذاته. الخوف هنا لا يرفع الضغط فقط؛ بل يخفض شيئًا جوهريًا اسمه السلامة النفسية: أي أن يشعر الفرد أنه يستطيع القول “أنا مُنهك” أو “هذا الموعد غير واقعي” دون أن يُفهم ذلك ضعفًا أو تمهيدًا للاستبعاد.

عندما تغيب السلامة النفسية، تظهر ظواهر مثل متلازمة المحتال: شعور داخلي بأنك لا تستحق دورك وأن الآخرين قد “يكتشفون” نقصك في أي لحظة، حتى لو كانت لديك إنجازات واضحة. هذا الشعور يدفع كثيرين إلى الإفراط في العمل، لا لتحسين الجودة فقط، بل لإسكات القلق.

من “حملات” إلى “دائم التشغيل”

في كثير من الوظائف الحديثة—خاصة المرتبطة بالسوق والإعلام والمنتج—كان العمل سابقًا يميل إلى الإيقاع: حملة ثم هدوء، إطلاق ثم مراجعة. اليوم، صارت القاعدة هي "دائم التشغيل Always on": تفاعل مستمر، تحديثات مستمرة، وتوقع أن تكون “جاهزًا” باستمرار.

هذا التحول يبدو منطقيًا من زاوية السوق: المنافسة أسرع، والزبون حاضر طوال الوقت. لكنه من زاوية الإنسان يعني شيئًا واحدًا: انقطاع دورات التعافي. العمل بلا تعافٍ لا ينتج “أداء عاليًا” بقدر ما ينتج “إرهاقًا عاليًا”.

الذكاء الاصطناعي… أداة تخفيف أم مُضاعِف ضغط؟

هنا المفارقة: الذكاء الاصطناعي قادر على تقليل الجهد في الكتابة والتحليل وتوليد الأفكار، لكنه قد يتحول—إذا أسيء استخدامه—إلى آلة لرفع سقف الطلب. كيف؟

لأن الإدارة قد تستنتج: “طالما صار الإنتاج أسرع، فلنرفع الكمية، ولنقلّص الزمن”. فيصبح الذكاء الاصطناعي مسرّعًا للإيقاع بدل أن يكون مُخففًا للهدر. ويضاف إلى ذلك ضغط آخر: تعلّم مستمر، مقارنة غير عادلة بين بشر وآلة لا تتعب، وقلق من الاستبدال. النتيجة: بدل أن تُخفَّض الطوارئ، يتم “تحديث” الطوارئ لتصبح أسرع.

دوامة الإنهاك: حين يهاجم التعبُ الوضوح

أحد أهم ما يلتقطه المقال هو منطق الدوامة: يبدأ الإرهاق، ثم يفقد الشخص القدرة على الوضوح وتحديد الأولويات، فتتدهور القرارات، فتزداد الفوضى والضغط… ثم مزيد من الإرهاق. ليست المشكلة في “ضعف الإرادة”، بل في أن الدماغ تحت الضغط يفقد سعة التخطيط ويبحث عن النجاة الفورية.

لهذا يصبح السؤال الحقيقي: هل تقيس المؤسسات الأداء بالنتائج فقط، أم تقيس أيضًا ملاءمة الموارد للتوقعات؟ فالتوقعات التي لا تقابلها موارد تشبه مطالبة فريق بالفوز بسيارة غير مجهزة: قد ينجح مرة، لكنه سيدفع الثمن لاحقًا.

كيف نقرأ العمل كحالة طوارئ دائمة في أي قطاع؟

  1. افصل بين “العاجل” و”المهم” بقاعدة واضحة: إذا كان كل شيء عاجلًا، فلن يبقى شيء مهم.
  2. راقب مؤشرات غياب التعافي: ليس عدد الساعات وحده، بل غياب فترات هدوء متوقعة.
  3. اسأل عن السلامة النفسية: هل يستطيع الناس قول “لا أستطيع” دون عقوبة؟
  4. قياس الأداء يجب أن يرى الموارد: التوقعات بلا موارد تصنع إنجازًا قصير العمر وإنهاكًا طويل العمر.
  5. ضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح: لتقليل التكرار والهدر—لا لرفع سقف المتطلبات بلا نهاية.

من كوفيد إلى الذكاء الاصطناعي، لم يصبح العمل “أصعب” فقط—بل أصبح أكثر استمرارًا وأقل قابلية للإغلاق. وحين لا نملك زر الإغلاق، تتحول الطوارئ إلى نمط حياة.