في نهاية يوم عمل، كنت أتصفح «سناب شات» بلا نية للبحث عن قصة اقتصادية جديدة. ذلك النوع من التصفح السريع الذي يأتي عادة بعد انتهاء المهام، قبل أن أجد نفسي أتوقف عند سلسلة مقاطع نشرها عمر الجريسي.
كان الجريسي يتحدث أثناء تحضيره لحلقة مع وزير البيئة والمياه والزراعة، وتوقف عند تجربة الشركة الوطنية للتنمية الزراعية «نادك». تحدث عن انتشار مشروعاتها في مناطق مختلفة من المملكة، وعن شراكاتها مع شركات عالمية، ثم انتقل إلى الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي.
في البداية تبدو القصة قصة شركة زراعية كبيرة.
لكن كلما نظرت إلى التفاصيل، بدا أن السؤال الأكثر إثارة ليس: ماذا تفعل «نادك»؟
بل: ماذا تخبرنا تجربتها عن الطريقة التي يُبنى بها الأمن الغذائي في اقتصاد حديث؟
لأن الأمن الغذائي، في جوهره، أكبر بكثير من عدد الأبقار أو مساحة المزارع أو كمية الطماطم المنتجة. إنه شبكة معقدة تبدأ من البذرة ولا تنتهي عند رف المتجر.
أربع مناطق.. وليست مزرعة واحدة
أولى الملاحظات التي أثارها الجريسي كانت الانتشار الجغرافي.
تدير «نادك» أربعة مشروعات زراعية رئيسية في المملكة: حرض، ووادي الدواسر، وحائل، والجوف. وتختلف طبيعة الإنتاج بينها؛ فحرض يرتبط بالإنتاج الحيواني والغذائي إلى جانب الزراعة، بينما تشمل مشروعات حائل ووادي الدواسر زراعة القمح والبطاطس والبصل، ويبرز مشروع الجوف في إنتاج الزيتون، حيث يضم أكثر من خمسة ملايين شجرة. وتصف «نادك» مشروعها هناك بأنه أكبر مشروع لزيت الزيتون العضوي مقام في موقع واحد عالميًا.
هذه الخريطة مهمة اقتصاديًا.
فالشركة لا تتعامل مع المملكة باعتبارها مزرعة كبيرة متجانسة. الزراعة بطبيعتها نشاط شديد الارتباط بالمكان: المياه والتربة والحرارة والبرودة وتكاليف النقل والمسافة إلى مراكز الاستهلاك كلها تدخل في المعادلة.
وهنا يظهر مفهوم التنويع الجغرافي.
نعرف الفكرة عادة من الاستثمار: لا تضع أصولك كلها في مكان واحد. لكن المنطق نفسه يمكن أن يظهر في الإنتاج. توزيع الأنشطة بين مناطق مختلفة قد يخفف الاعتماد على موقع واحد، ويتيح في الوقت نفسه تخصيص المحاصيل للمناطق الأكثر ملاءمة لها.
غير أن هذا لا يعني أن الانتشار الجغرافي جيد تلقائيًا. فكل موقع جديد يعني أيضًا بنية تحتية ونقلًا وإدارةً وتكاليف تشغيل إضافية.
لذلك يصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: هل نستطيع أن نزرع هنا؟
بل: هل هذا هو المكان الأكثر كفاءة لزراعة هذا المنتج؟
وهذا فارق صغير في اللغة، لكنه كبير في الاقتصاد.
من استيراد التقنية إلى امتلاك القدرة عليها
الملاحظة الثانية في حديث الجريسي كانت الشراكات العالمية.
في قطاع اللحوم، أقامت «نادك» مشروعًا مشتركًا مع «Hilton Foods» البريطانية لتجهيز وتعبئة اللحوم الحمراء، بحصة تبلغ 51 في المائة لـ«نادك». وتنص الشراكة على الاستفادة من الممارسات والتقنيات العالمية في التجهيز وسلاسل الإمداد، فيما قالت الشركة في تقريرها السنوي لعام 2025 إن المشروع يدعم نقل تقنيات عالمية وتوطينها عبر الخبرات المحلية.
وفي الزراعة، تظهر الفكرة نفسها بصورة مختلفة.
فقد دخلت شركة HZPC الهولندية المتخصصة في البطاطس شريكًا تقنيًا في «الشركة الوطنية لإنتاج البذور»، المملوكة بنسبة 51 في المائة لـ«نادك». وتشمل الاتفاقيات تقديم الخبرة في إنتاج الدرنات الصغيرة والتقاوي وتصنيفها وتخزينها، وإجراء التجارب داخل المملكة لتطوير إنتاج أصناف محددة من البطاطس.
ثم جاءت خطوة أكثر حداثة.
في أغسطس 2026 أعلنت «نادك» اتفاقًا بقيمة 85 مليون ريال لشراء أصول مشروع للبيوت المحمية عالية التقنية من «Pure Harvest» في حرض.
المنشأة، الممتدة على نحو ستة هكتارات، تستخدم الزراعة المائية والتحكم في المناخ لإنتاج الطماطم طوال العام في بيئة متحكم بها.
وهنا يتغير معنى «التوطين».
ليس المطلوب بالضرورة أن تخترع الدولة كل تقنية زراعية من الصفر، ولا أن تغلق حدودها أمام المعرفة الأجنبية.
في الاقتصاد، قد يكون الطريق الأسرع هو استيراد المعرفة ثم بناء القدرة المحلية على تشغيلها وتطويرها.
الفرق جوهري.
استيراد صندوق من البطاطس يحل مشكلة اليوم. أما امتلاك المعرفة والبذور والتقنية اللازمة لإنتاجها، فيغير قدرة الاقتصاد على التعامل مع الغد.
131 في المائة.. كيف نكون مكتفين بأكثر مما نحتاج؟
ثم يأتي الرقم الذي لفت الانتباه في حديث الجريسي.
بحسب أحدث إحصاءات الأمن الغذائي المنشورة من الهيئة العامة للإحصاء عن عام 2024، وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي في المملكة إلى 149 في المائة في الروبيان، و131 في المائة في منتجات الألبان، و103 في المائة في بيض المائدة.
وفي المقابل، بلغت النسبة 72 في المائة في لحوم الدواجن، و62 في المائة في اللحوم الحمراء، و52 في المائة في الأسماك.
وهنا يستحق الرقم 131 في المائة وقفة.
كيف يمكن لدولة أن تحقق اكتفاءً ذاتيًا يتجاوز 100 في المائة؟
الفكرة أبسط مما يبدو.
عندما يقترب الإنتاج المحلي من حجم الاحتياج المحلي، تقترب النسبة من 100 في المائة. وعندما يتجاوزه، يمكن أن ترتفع النسبة فوق ذلك المستوى.
لكن الرقم لا يعني أن المملكة أصبحت «مكتفية غذائيًا بنسبة 131 في المائة».
لأننا نتحدث هنا عن منتج محدد، هو منتجات الألبان، وليس عن النظام الغذائي كله.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن عبارتي الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي تستخدمان أحيانًا كما لو كانتا شيئًا واحدًا، وهما ليستا كذلك.
لماذا لا يعني الأمن الغذائي إنتاج كل شيء؟
تخيل دولة قررت أن تنتج كل ما يأكله سكانها داخل حدودها مهما بلغت التكلفة.
نظريًا، قد ترتفع نسب الاكتفاء الذاتي.
لكن ماذا لو كانت بعض المحاصيل تستهلك كميات ضخمة من المياه؟ أو تحتاج إلى طاقة مرتفعة؟ أو يمكن استيرادها من الخارج بكفاءة أكبر، مقابل توجيه الموارد المحلية إلى منتجات تتمتع فيها الدولة بميزة أفضل؟
هنا يبدأ الفرق بين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي.
الأول يسأل: كم ننتج محليًا مما نستهلك؟
أما الثاني فيسأل سؤالًا أوسع: هل يستطيع الناس الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومستقر، حتى عندما تتعرض الأسواق أو سلاسل الإمداد للاضطراب؟
ولهذا تبني الهيئة العامة للإحصاء قياس الأمن الغذائي على أربعة أبعاد: التوافر، وإمكانية الوصول، والاستقرار، والاستفادة من الغذاء.
قد يكون الاستيراد نفسه جزءًا من استراتيجية أمن غذائي ناجحة، إذا كانت مصادر التوريد متنوعة والمخزونات كافية وسلاسل الإمداد قادرة على الصمود.
وفي المقابل، قد تنتج دولة منتجًا بالكامل داخل حدودها، لكنها تعتمد في إنتاجه على أعلاف أو بذور أو معدات أو مدخلات خارجية.
لذلك فإن السؤال ليس ببساطة: محلي أم مستورد؟
بل: أين توجد نقاط الضعف في السلسلة؟
حتى الكهرباء تدخل في سعر الطعام
هناك تفصيل آخر في تجربة «نادك» قد يبدو بعيدًا عن الغذاء: الطاقة.
تدير الشركة في حرض محطة شمسية بقدرة تبلغ 30 ميغاواط. وبحسب تقرير الاستدامة لعام 2024، وفرت المحطة نحو 20 في المائة من إجمالي استهلاك الشركة للكهرباء في ذلك العام.
ما علاقة الشمس بالحليب أو البطاطس؟
تقريبًا كل شيء.
فالزراعة الحديثة تحتاج إلى ضخ المياه والتبريد والتخزين والتصنيع والنقل والتحكم في درجات الحرارة. والطاقة ليست عنصرًا جانبيًا في هذه العمليات؛ بل جزء من تكلفة الغذاء.
وبذلك لا تعود الطاقة المتجددة مجرد ملف بيئي منفصل. عندما تدخل في منشأة زراعية أو غذائية، تصبح أيضًا جزءًا من محاولة خفض الاعتماد على مصدر واحد للطاقة وتحسين كفاءة الإنتاج على المدى الطويل.
وهكذا تبدأ الصورة في الاكتمال.
الأمن الغذائي سلسلة.. لا مزرعة
ما شدني في المقاطع التي نشرها عمر الجريسي لم يكن في النهاية حجم «نادك»، ولا عدد مشروعاتها، ولا حتى الأرقام الكبيرة التي يمكن استخراجها من تقاريرها.
الأكثر إثارة هو أن النظر إلى الشركة من مسافة أبعد يكشف طبيعة الاقتصاد الغذائي نفسه.
المزرعة تحتاج إلى بذور. والبذور تحتاج إلى معرفة وتقنية. والمحصول يحتاج إلى مياه وطاقة. والإنتاج يحتاج إلى مصانع وتجهيز وتبريد. والمنتج يحتاج إلى مستودعات ونقل ومتاجر. وكل حلقة في هذه السلسلة قد تكون مصدر قوة، أو نقطة ضعف تظهر عندما تقع أزمة.
ولهذا ربما لا يكون أفضل تعريف عملي للأمن الغذائي هو أن تنتج الدولة كل ما تأكله.
الأقرب إلى الواقع أن تبني منظومة تستطيع توفير الغذاء بكفاءة، وتنويع مصادره، وحماية حلقاته الأكثر حساسية، والتكيف عندما تتغير الظروف.
ومن هنا تصبح تجربة شركة مثل «نادك» جديرة بالقراءة اقتصاديًا، لا بوصفها قصة شركة زراعية فحسب، ولا باعتبارها دليلًا منفردًا على نجاح منظومة كاملة، وإنما باعتبارها نافذة يمكن من خلالها رؤية التحول الأكبر:
من التفكير في المزرعة بوصفها مكانًا لإنتاج الغذاء، إلى التفكير في الأمن الغذائي بوصفه سلسلة قيمة كاملة يجب أن تكون قادرة على الصمود.
إخلاء مسؤولية: (أُعدّت هذه المادة بإشراف محرر “يمامة إنسايتس” وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض التثقيف المالي، ولا تُعد توصية بالشراء أو البيع أو الاحتفاظ بأي ورقة مالية، كما أنّها تعبّر عن آراء أصحابها وليس رأي المنصة).
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!